الأحد، 26 ديسمبر 2021

المنهج الاركيولوجى منهج فلسفى متميز

المنهج الاركيولوجى منهج فلسفى متميز



بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ

      الجنون و السجون والجنس اشكال مختلفة من القهر الاجتماعى تارة بالعزل واخرى بالعقاب واخرى بالفرض القمعى وكأن السلطة والقوة تتخلل حياتنا باشكال مختلفة وصور عديدة واهمها تلك السلطة المفروضة على عقولنا والتى تتحكم فى محتوى الوعى المعرفى لدينا تلك السلطة التى يشرحها وينقب عنها ويحفر ورائها ميشيل فوكو من خلال منهج مبتكر فريد من نوعه .

     فميشيل فوكو ليس فيلسوفا عاديا وانما شيخ طريقه وصاحب منهج اسمه الاركيولوجيا او التنقيب فى الانساق الفكرية التى يعرض لها الخطاب وتكونت عبر تنظيم خاص لرواسب الفكر اللاشعورى بفعل سلطة خفية عبر التاريخ

       وعندما تحدثت مع زملائى عن المنهج الاركيولوجى كمنهج فلسفى واخذت اعرض لمصطلحاته كالمنطوق والخطاب والتشكيلات الخطابية والممارسة الخطابية و الارشيف وتكوينات الخطاب والابستيمه وجدت اسئلة كثيرة تحاول احراجى عبر اثبات ان المنهج الاركيولوجى اما لا يصلح للفلسفة وانما هو منهج للدراسات التاريخية واما انه امتداد للمنهج البنيوى وارتكزت سهام النقد على منطلقات وخلفيات وجذور المنهج الاركيولوجى اكثر من نقد الممارسة المنهجية ذاتها .

       كل هذا شكل لدى دافعا قويا لان اتحدث عن المنهج الاركيولوجى فى ورقة غاية فى التواضع ليس بطريقة المناطقة وعلماء المنهج ولكن بطريقة الاشكاليات الفلسفية التى يثيرها المنهج فتستهدف ورقتى هذه عرض المنطلقات الفلسفية العامة والخلفية الابستمولوجية للمنهج الاركيولوجى والرد على بعض الشكوك عن ان المنهج الاركيولوجى ليس منهج فلسفى اصيل ومتميز

      يقول محمود امين العالم "  الفلسفة بشكل عام هى التعبير النظرى عن القسمات الجوهرية ازاء الوجود الشخصى او العام وهذه القسمات الجوهرية التى تشكل موضوع الفلسفة محملة برؤى وتصورات ومعانى لها دورها فى تحديد السلوك الانسانى فيمكننا القول انه مادامت الفلسفة بموضوعها لها علاقة بالسلوك الانسانى وتحديد مساره فهى تشترك مع الثقافة عموما التى هى رؤى وتصورات ومعانى وافكار تحدد السلوك الانسانى . ان موضوع الفلسفة هو الثقافة فتتخذ الفلسفة جانب التعبير النظرى عن الثقافة فى حين تكون الثقافة اكثر تعبيرا عن الجانب العملى . ان القاء الضوء على جوهر الثقافة الكائنة فى عصر ما وفى مكان ما والتعبير عنها ووصفها لهى وظيفة الفلسفة الاولى . فالعثور على المبادئ الاساسية لثقافة شعب من الشعوب فى فترة من الفترات هى الوظيفة الاهم التى تعنينا من الفلسفة .واذا كان الامر كذلك فاننى ادعى ان منهجا جديدا قد ظهر فى دراسة الفلسفة بهذا المعنى فهو منهجا فلسفيا بالاصالة وان ظن البعض غير ذلك .لان غاية هذا المنهج ووظيفته التى من اجلها تكون هى العثور على المبادئ الاساسية التاريخية للثقافة .وهو المنهج الذى دعا اليه الفيلسوف الفرنسى المعاصر ميشيل فوكو 1926 – 1984 والذى اسميه بالمنهج الاركيولوجى فى دراسة الفلسفة

      فلقد لاحظ فوكو ان كل ما يضفى على الوجود معنى من عناصر الثقافة المختلفة كالحب والبخل والحسد والضمير والعقل والاحترام والقسوة والعقاب لا يزال بغير تاريخ  هذا هو التاريخ الذى يقصده فوكو تاريخ التجربة ففوكو ليس معنيا اصلا بتقديم نظرية عامة فى التاريخ وهو يصرح بانه قد ترك تلك المهمة للماركسيين (مهمة تفسير التاريخ والتنبأ بمساره ) لكنه معنى بتقديم تاريخ للتجربة الانسانية من اجل فهم الحاضر عبر ايجاد المبررات والظروف التاريخية التى شكلت هذا الحاضر .

       ففوكو معنى بهذا السؤال "الا يمكن دراسة تاريخية اشكال التجربة ذاتها " وكيف تندمج المعرفة والتجربة فى نظرة موضوعية عن الانسان بوصفه ذاتا ان فوكو بهذا المنهج الجديد يقيم الرابطة بين التاريخ والتجربة ويقدم تاريخا ولكن بمفهوم جديد للغاية هو تاريخ التجربة .من هنا نقول ان منهج ميشيل فوكو المسمى بالاركيولوجيا ليس منهجا فى الدراسات التاريخية بقدر ما هو منهجا فى الفلسفة التى تسعى لتحليل والكشف عن مبادئ الثقافة الانسانية وكيف تشكلت عبر التاريخ .ان السؤال الذى يطرحه فوكو هو ماذا يمكن ان يرى ويقال فى حقبة تاريخية معينة وذلك لان كل تاريخ هو وثيقة من وثائق الماضى ستترك اثارها فى حاضرنا من خلال الكتب والروايات والافعال والمبانى والعادات ولا ينبغى دراسة الوثائق لكى نحدد دقتها التاريخية ولكن ندرسها كصروح لذاتها هى كفعاليات ثقافية مؤثرة فى الحاضر وهو يرى ان موضوعه الاساسى هو المعرفة المستثمرة فى نظام معقد من المؤسسات فهو يرى ان المعرفة العلمية مرتبطة بالقوة اكثر من ارتباطها بالحقيقة بل ان السلطة هى التى تخلق المعرفة عبر مؤسساتها فالشبكة الكامنة فى المعرفة التى تنظم كل خطاب علمى يمكن الكشف عن مستوياتها بالمنهج الاركيولوجى الذى يتضمن حفرا وتنقيبا عن رواسب الفكر التى نظمت بطريقة لا شعورية لتتحول الى شكل معين من اشكال الفكر .وهذا عكس ما يرى تاريخ الافكار من ان المعرفة تراكمية فى اتجاه الخاتمة التاريخية وهو اى المنهج الاركيولوجى يتجاهل الافراد وتاريخهم وينقب فى البنى غير الشخصية للمعرفة فهو لا يبحث عن سلطة المؤلف وانما على قوة الخطاب فى السيطرة على المؤلف ولانه يتجاهل الافراد وتاريخهم وينقب فى البنى غير الشخصية للمعرفة اتهم انه بنيوى اى ان المنهج الاركيولوجى ما هو الا منهج بنيوى يتملق البنية ولكن ذلك غير صحيح لان البنيوية معنية كثيرا بالممكنات الصورية التى يعرضها النظام اما الاركيولوجيا فهى تجعل للمعنى تاريخا ولا تقدم بناءات ضخمة ساكنه كالبنيوية والتاريخ عند فوكو هو علاقات وقواعد معقدة فى تشكيلات خطابية والخطاب عند فوكو ليس نظاما لغويا او نصوص وانما هو ممارسة اى علامات تشير الى مضمون واقعى  فهو يرى ان المعرفة لا تتجسد فى النصوص النظرية والوسائل التجريبية بل فى هيئة كاملة من الممارسات والمؤسسات ونستطيع عن طريق تحليل العبارات المكونه للخطاب ان نرى قيودها فهناك فى الخطاب قواعد لتشكيله كمساحات الطوارئ اى المناطق الاجتماعية و الثقافية التى يظهر الخطاب من خلالها وهناك سلطات التحديد وهى مؤسسات لها قدر من المعرفة والسلطة وهناك شبكات التخصيص وهى النظام الذى تترابط فيه الخطابات وهو بمنهجه الاركيولوجى يكشف ايضا عن الابستيمة وهى شبكة تحت الارض تسمح للفكر بتنظيم نفسه لكل حقبة تاريخية ويرى فوكو ان انتاج الخطاب فى كل مجتمع يخضع للضبط والاختيار والتنظيم واعادة التوزيع طبقا لعدد معين من الاجراءات التى ينحصر دورها فى تفادى قواها واخطارها كان ذلك هو تاريخ الحاضر وتاريخ المجتمعات السائدة التى تحترم الخطاب وتنظمه غير ان ذلك يحجب خوفا من الخطاب غير المنظم فيقوم المجتمع بوضع القيود على الخطاب الخطر باستبعاده ومنعه وتقسيمه ومعاقبته ورفضه .ان الاطروحات الاساسية فى كل ما فات هو محاولة تحديد موضوع المنهج الاركيولوجى وقلنا ان موضوعه ليس التاريخ ولا البنية وانما موضوعه هو المعرفه فالتاريخ الذى يقدمه هو تاريخ لتجربة الذات مندمجة بالمعرفة وليس اى معرفة وانما المعرفة المستثمرة فى خطاب هو ممارسة وهيئة كاملة من الممارسات والمؤسسات

     وعلى صعيد اخر يقر الدكتور يحى هويدى بان الدراسات الفلسفية المعاصرة ليست الا دراسات وصفية والاركيولوجيا منهج وصفى ايضا يصف الارشيف ( الوثائق التاريخية ) وكلمة اركيولوجيا تعبر عن فرع علمى يدرس الحضارات القديمة من حيث اثارها المادية والثقافية ويعتمد على طرائق مختلفة فى البحث والتنقيب وكلمة اركيو تعنى الحفر فى طبقات ومستويات متعددة ولكن فوكو ياخذ من الحفر طريق ومنهج يفعله فى دراسة التجربة التاريخية ولذا يسمى ايضا بالمنهج الحفرى

     المنطلقات الفلسفية العامة للمنهج الاركيولوجى او الخلفية الابستمولوجية للمنهج الاركيولوجى تطرح الابستمولوجيا سؤال عن امكانية المعرفة ومن الواضح ان فوكو ينكر وجود حقيقة مطلقة ويرى الحقيقة محض تشكيل لممارسه سلطوية لعبت فيها القوة دورا هاما . ويتأسس هذا المنهج على محاولة لرصد ووصف الاساليب التى استطاعت بها القوة تشكيل المعرفة وتسكينها فى ممارسات وهو موقف قريب من الموقف البرجماتى الذى يرى المعرفة محض ابداع بشرى يضعه الاعتقاد الا ان فوكو يخطو خطوة فى صدد رصد ووصف الاليات التى بها اصبحت المعرفة راسخة فى الاعتقاد كحقيقة عليا فى اطار ثقافة ما فى زمان ومكان محددين




مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

" تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man and Biosphere

  ·       من الأمتحان والإختبار والتقييم إلى التقويم الذى يشارك فيه الطالب والاستاذ " تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man a...