الارادة
والجنون
اذا نجحنا فى تغييب العقلانية الحازمة
(الحسابات العقلية للمصلحة المطلقة ) فلن نجد سوى الارادة التى تحركها الرغبة
الفردية -ونؤكد الفردية - فى الجميل- فى ذاته- كحرية مطلقة ضد اى سلطة ... هذا هو
حلم الإرادة الحرة فى كل زمان ومكان .
اعتقد ان هذا الحلم موجود فى كل البشر
بما هم بشر ، يقول المطرب الشعبى العميق محمد منير و من رباعيات المبدع صلاح جاهين
[1]الذى
مات بالاكتئاب عشية النكسة " بننجرح
كل يوم (فالحياة صراع مستمر بين الارادة الحرة فى الجميل واللذى من ناحية وقوانين
ومعقوليات وحسابات المجتمع والسلطة من ناحيه اخرى فنجراو نجرجر للتنميط الثقافى
والفكرى والاخلاقى ) لكن..... بيفرحنا أن أنت جو القلب ساكن ( الجنون بما هو ارادة
حرة فردية فى الجميل "حلم الارادة الحرة" )... ساكن فى افراحنا .....
انت الأمل فى العيون (رغم احيانا انعدام كل المؤشرات العقلية للامل )... والنشوة
ساعة الجنون .. .واياك تكون زيهم ...تمشى وتجرحنا . ..دا انت الوحيد منهم اللى
مفرحنا "
يمكن أن نقول أن حلم الارادة الحرة فى
مقابل ماضى وتاريخ العقلانية الحازمة بشتى صورها واشكالها الثقافية وعبر الثقافات يؤكد على شيئا واحدا وهو أن الحياة لا تعاش الا
اذا كانت ضربا من الجنون والتحدى تتجلى فيه قوة الارادة ونشوة الانتصار بتحقيقها
فيقول ميشيل فوكوفيلسوف فرنسا المعصر الاشهر فى كتابه الشهير "تاريخ
الجنون فى العصر الكلاسيكى" [2] : تحول
اللاعقل الى جنون من طبيعة اخرى نحن فى حاجة اليه لانه يعد حافزا ضد المستحيل والمستعصى
والذى لا يمكن ادراكه " فنحن فى حاجة لجنون الحب للحفاظ على النوع ونحن فى حاجة
الى هذيان الطموح لضمان سير جيد للنظام السياسى ونحن فى حاجة الى جشع لا معقول من اجل
انتاج الثروات " ... كأن الحياة لا تعاش الا اذا كانت جنونا[3]
ونوجه السؤال لميشيل فوكو قائلين منذ متى وكان
المجنون مريضا فحسب فيجيب منذ العصر الكلاسيكى [4] فى
أوروبا حيث اعلن ميلاد المجنون ( المريض )
الذى سيخلف المجنون ( الدرويش الصوفى المحلق فى السماء الحرة و
الوحش البربرى الشاذ ) يتحدث كتاب تاريخ الجنون قائلا : أن العوالم الرمزية وكل الصور المخيالية
الجميلة التى انتجتها المخيلة الانسانية كانت من اجل رسم حدود عالم غريب وهو شبيه –
ان لم يكن هو - بعالم الجنون الملئ بالصور والاستيهامات من المجنون , والملئ أيضا
بأشكال النبذ و الاقصاء من المجتمع .[5]
" الحياة رحلة لا تنتهى وقدر سيزيفى(متكرر)
دائم التجدد " " لقد سلم المجنون المحتجز داخل مركب لا يستطيع فكاكا منه
,امره للنهر ذى الاذرع الكثيرة , والى الماء ذى السبل المتعددة –انه يسلم نفسه الى
عالم اللايقين الرهيب الموجود خارج كل شئ ........انه مسجون ضمن السبل الاكثر حرية
والاكثر انفتاحا : انه موثوق بشدة الى الملتقيات
اللانهائية . ....انه بؤرة المرور بامتياز ,اى اسير العبور , والارض التى سيحط
فيها تجهل عنه كل شئ , تماما كما لاتعرف اليابسة التى تطؤها ارجله من اى ارض هو ات
.......فلا حقيقة له ولا وطن الا فى ذلك الامتداد الخصب بين البرارى التى لا
يمكنها الانتماء اليها" "المجانين كائنات تطاردهم لعنة اللاعقل "
انها رحلة "غريبة ان لم تأت بالمال ,فانها قد تعيد للمجنون عقله " فوكو "سفينة
الحمقى " ص12 حيث يتحدث فوكو عن الفعل الفلسفى المغامر للجنون .
ان هذه الصورة عن الجنون التى يرسمها
لنا ميشيل فوكو انما تعبر عن كيف اصبح الجنون فى عصر ما بعد الحداثة عصرنا الاثير هذا
مرادفا لارادة حرة تحقق السعادة واللذة انه خروج عن المألوف مرغوب فيه ابداع يتميز
بمنتهى الطلاقة وربما دون اصاله ولا شك اننا لو قراءنا فى تاريخ ميشيل فوكو ذاته
لوجدناه كان يوما يعمل فى مصحة للامراض العقلية كأخصائى وربما كان نزيلا فيها
ولكنه تخطى ذلك مدافعا عن تلقائية وعفوية الجنون ومدى تأسيسه على قيم جمالية أصيله
تصنع من حياة الفرد الشخصية ملاحم اسطورية جميله .
بل
يقول فوكو : يمكن ان يكون المجنون وجها سريا من وجوه الله (حالات الدرويش المسالم
, وهو وجه مألوف بكل الثقافات ) ,"فحكمة الطبيعة هى من العمق لدرجة انها
تستعمل الجنون باعتباره الدرب القصير المؤدى الى الحكمة , متخطيا اشكاله الخاصة من
خلال عناية الهية غير مكشوفه " ويمكن ان يكون تعبيرا عن ادانه الهية لانسان
خلق هلوعا ( حالات الجنون الساخط والعنيف ) فى مقابل صورة تقليدية للمجنون فى
ثقافة العصر الاوروبى الكلاسيكى المجنون باعتباره مريض محجوز فى مصحة منعزل عن
المجتمع يعير صورته لكل ظواهر الانتماء الثقافى الى مؤسساته الصحية ومعاييره
ومقاييسه فى الحكم كأشكال للضبط والردع وحماية الحدود والوسط المضبوط فعبارة "هذا
جنون " حكم يطلق فى وجه كل ما لا يستقيم داخل خطاطه ثقافية او سياسية مسبقه ان
الامر يتعلق بفعل ثقافى وثيق الصلة بحالة المجتمع الحضارية ولا يتعلق بمرض او
اختلال .
مؤسسة الحجز هى اختراع من اختراعات
العصر الكلاسيكى العجيبة ، المستشفى العام أداة قمع مثلى تقوم بكل شئ عدا العلاج ،
هم يرون المجنون غولا هائلا سرعان ما ابتلع فى طريقه كل شئ مصلحة العائلة مصلحة
المجتمع مصلحة الدولة يعمل ضد العقل والمصلحة والتبرير ، وعالم الحجز هذا غريب حقا
فقد كان يضم داخله المجانين والمختلين والمنحرفين والشاذين جنسيا كما ضم المبذرين
والبخلاء والمنحلين والغارقين فى لا عقل ويعيشون فى غيابات الجنس والفلسفة والادب
وكل اشكال الابداع التى تغطى تجربة روحية لا تتوقف الا عند حدودها القصوى كما ضم
ايضا المرابين والمشعوزين وكل الذين خرجوا عن اخلاق المجتمع او شككو فى قيمه هذا
الفاصل قد يتسع مداه ليلتهم فى طريقه كل مناطق العقل وقد يضيق لكى لا يحتل اللاعقل داخله سوى حيز بسيط . وما يتحكم
فى نهاية الامر هو الناظم القيمى . وهو ناظم ليس مرتبط بالضرورة بالاحالة على
الاخلاق والقيم الانسانية بمفهومها المثالى العام ( الدينى او المستند الى عقيدة
ما ) بل هو كل الصياغات الممكنه للفكر الذى يتحكم فى مجتمع ما فى مرحلة ما ( كل
يساريي الوطن العربى كانوا مجانين وربما مازالوا فى عرف سلطات تحكم على الاشياء
استناد الى حقائق ثابته لا تتغير من خلالها نخرج من دائرة الجنون كحالة باثولوجية
لنلج عوالم اللاعقل وقواه الرهيبة التى قد تهدد المجتمع فى كيانه او هكذا يعتقد القيميون
على تراث الامة واخلاقها هذا تعليق من المترجم سعيد بنكراد )
اذا اردنا ان نعى كل ذلك وكيف ان الجنون
مغامرة وصراع مع المجتمع وليس مجرد مرض علينا ان نطرح السؤال من هو الانسان السوى
بمعايير الطب النفسي ؟
ما معايير المرض النفسي ؟
اتينا الان للسؤال الاكثر طرحا ما هى معايير
المرض النفسى ؟ وسنفاجأ انه لا معايير محددة متفق عليها للمرض النفسى - فالمعايير الموجوده
ثقافيه بحته تختلف من ثقافة الى اخرى فما هو جنون فى ثقافه فى ثقافه اخرى هو عين العقل
فلو خلعت ملابسك ورقصت فى الشارع فى اوربا سيعتبرونك شحات ويعطوك نقودا ،اما ان حدث
هذا فى مصر فسيعتبرونك مجنون .
فالعلاقه بين الفرد وثقافته هى ما تشكل معايير المرض النفسى .
وما الغريب فى ذلك والحياة اصلا نوع من
التكيف مع البيئة المحيطة ، فالنفس نوع من التكيف مع البيئة الانسانية المحيطة ( الثقافة
) واى خلل فى هذا التكيف يحيلنا لمرض نفسى ، وفى ثقافتنا يعد المرض النفسى وصمه عار
يخجل منها الناس ، وفى بلاد اخرى لا يمشى انسان بدون اشتراك مع طبيب نفسى يستشيره من
وقت لاخر .وفى بلاد يعزل فيها المريض النفسي فى مصحات وفى بلاد آخرى لا يسمح قانونا
بهذا العزل وينادى بالدمج .
و فى ثقافتنا العربية ومحيطنا
الاقليمى ما هى معايير المرض النفسى؟
ما الخط الفاصل بين السواء والمرض النفسى
؟
كيف يتم تشخيص المرض النفسى (الاعراض
) حتى نعرف متى تم الشفاء ؟
ليس بالضرورة يكون للمرض النفسى اعراض فقط وليس
المريض هو من يذهب للعلاج عند طبيب نفسى فقط . ولكل مجتمع تشخيص لاحترام المستوى الثقافى
والاختلافات البيئية معا ، وليس المنظور الاحصائى هو الصحيح فقط .
يقول فرويد عن خلاصة معنى الصحة النفسية
هى " ان تحب ، و ان تعمل " .
ويقول الرخاوى : عن السوى فى إطار الثقافة
المصرية المعاصرة
1
– ان لديه عمل يومى ، ملزم ، منتظم ، له ناتج
( ولذلك يفضل العمل اليدوى لان ناتجه يكون ملموس محسوس ) ، وله عائد ( نقود - ماده ) . اما عن ( العاطل بالوراثه ) فهو له طرقه الشبيهة للعمل
فى حفظ اتزانه النفسى فالانسان لا يكون سويا الا اذا كان منتج حسب تعريف منظمة الصحة
العالميه.
2 – يساير من (من اشخاص ) وما (من اشياء
) يحيط به " يمشى حاله " بالمعنى الايجابى وليس المعنى الانتهازى مما يجعله اكثر حركيه فى التكيف فى العمل والمنزل
وغيرها.
3 – يتحمل معاناه الحياة اليوميه ويعتبرها
حافز له . وهى معاناه شديده جدا فى مصر .
4 – يسلك سلوك يتناسب مع اختلاف المواقف
. لكل مقام مقال ( الجد جد والهزل هزل )
5 – تمتد دوائر مسايرته للنظام السياسى
والاجتماعى والثقافى .
6 – يكون قادرا على تقبل الاخرين باعتبارهم
كيانات مختلفه محترما الفروق الفرديه الحتميه .
7 – يكون قادرا على التغيير من وقت
لاخر (مرونه ) وخاصة بعد الازمات الجسيمه .
ويعبر بشكل مثالى الدكتور حمدى حافظ فى تعريف الشخصية السوية انها تمتلك:
· القدرة على الاعتماد على النفس
· القدرة على الانتاج
· القدرة على تمثيل قيم وتعاليم الرسالات السماوية
· القدرة على احترام وتقدير مشاعر الاخرين
· القدرة على التفكير العلمى
· القدرة على التعاون مع الاخرين
· القدرة على التجديد والابتكار
· القدرة على البذل والعطاء
· القدرة على تقبل الرأى الاخر
· القدرة على ابداء الرأى والتعبير عنه بالطريقة السليمة المقبولة .
· القدرة على الاشتراك فى حوار ديمقراطى منظم
· شعور واضح بالانتماء لوطنه
· القدرة على التكيف مع المجتمع
· القدرة على تحمل مشكلات الحياة والتفكير البديل
· الموضوعية – الوضوح - التلقائية
القيم الاساسية فى الصحة النفسية :
ثلاث قيم اساسية فى الصحة النفسية
1 – الرضا .
2 – التكيف .
3
– العمل .
بقى لنا ان نشير الى نقطتين الاولى ان كل
البشر شاؤا ام ابو مرضى نفسيين لكن الفرق بين كونهم مرضى كباقى البشر او مرضى
يحتاجون رعاية واهتمام طبى هو مدى تأثير مرضهم النفسي على توقف حياتهم وعدم القدرة
على الاستمرار بها .
اما
النقطة الثانية فهى مدى الالم الذى يعانيه الانسان ان كان يمكن تحمله وقبوله
ومسايرة الحياة به ام انه يحتاج لمساعدة طبيه وتدخل لانه يعيق الوظائف الحيوية
عنده .
انه يكاد يكون نادرا ان يذهب انسان الى
طبيب نفسي وهو لا يعانى حقا من ألم او اعاقة فى حياته والعلاج سيخفف عنه كيميائيا
بالدواء ويجعله قابلا لما به اكثر قدرة على مسايرة ومواكبه حياته دون ان تقف .
فلا تزال الحياة تجرى وعلينا ان نعيشها ولا
نسمح لاى الم او مرض ان يعيقنا عن اكمالها للحظة التى يحددها الله لنا .
ونردد
مع ماجدة الرومى
لسه
الطيور بتئن والنحلايات بتطن والطفل ضحكه يرن مع ان مش كل البشر فرحانيين ..!!!
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
[1] عانى صلاح جاهين فى اواخر ايامه من نوبة اكتئاب مرضية حادة انعكست
عليه بيولوجيا فكانت سببا لوفاته وهو من احد الشعراء الذين كانت تزاحم الامراض
النفسية عليهم سببا لوفاتهم ومنهم الشاعر والمؤلف المسرحى نجيب سرور الذى يقال انه
انتحر فى مستشفى العباسية للامراض النفسية
[2] ميشيل فوكو " تاريخ
الجنون فى العصر الكلاسيكى " ترجمة سعيد بنكراد المركز الثقافى العربى بيروت
,الدار البيضاء ,2006 طبعة أولى . صدر الكتاب فى نسخته الفرنسية فى سنة 1961 ، و هو اول عمل نظرى متكامل
لميشيل فوكو ، واشهر اعماله على الاطلاق ، مادته الاساسية هى الخبرة الانسانية فى
لحظات ابداعها (خبرة الجنون ) لمقاومة
أشكال العسف المتنوعة التى تهدف للحد من اندفاعات الجسد والروح , هذه الخبرة
الانسانية المجنونة عندما تتخطي حدود المعقول والعقلانى و المستقيم والرزين وتنتشى
بالذات داخل عوالم اللاعقل ، التى لا تعترف باية حدود إضافية ، غير تلك التى تأتى من اشياء الطبيعة وطبيعة
الاشياء
[3] المرجع السابق ص 16
[4] العصر الكلاسيكى يقصد بها
فوكو القرنين السابع والثامن عشر عصر بداية الحداثة والتنوير فى أوروبا
[5] تاريخ الجنون فى العصر
الكلاسيكى ص11

.jpg)
