" آليـات ممارسة الذات "
دراسة
فى أخلاق ميشيل فوكو
"Practice
of the self Techniques'"
Study
about Michel Foucault Ethic's
ميشيل
فوكو Michel
Foucault
(1926
– 1984 )
أهم
مصادر الدراسة " تاريخ الجنسانية
"
1976الجزء
الأول، 1984 الجزء الثانى والثالث (كتاب ميشيل فوكو الأساسى فى الأخلاق)
(
أعتمادنا الأساسى كان على النسخة العربية (*)المترجمة عن الفرنسية )
· ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية : الجزء الاول
: ارادة المعرفة , ترجمة جورج ابى صالح, ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدى, مشروع مطاع صفدى للينابيع – مركز الانماء القومى,
بيروت , 1990 .
· ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية : الجزء الثانى
: استعمال اللذات , ترجمة جورج ابى صالح , ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدى ,مشروع مطاع
صفدى للينابيع – مركز الانماء القومى, بيروت,1991
· ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية : الجزء الثالث
: الانهمام بالذات ترجمة جورج ابى صالح ترجمة
ومراجعة وتقديم مطاع صفدى مشروع مطاع صفدى للينابيع – مركز الانماء القومى بيروت1992
.
مقدمة
الفصل
الاول : فوكو وما بعد الحداثة " العقلانية وميلاد الفرد "
الفصل
الثانى : " فوكو والتراث الفلسفى السابق عليه "
الفصل
الثالث :" استراتيجيات السلطة وإرادة
المعرفة "
الفصل
الرابع : " تنميط الذات وقولبة الاخلاق "
الفصل
الخامس : "الانهمام بالذات و الحلم باللذات "
خاتمة
مقـدمة
· الرؤية العامة لفلسفة فوكو
: " حلم الفلسفة الفوكوية "
الرؤية العامة أو غاية الفيلسوف الكلية من
أعماله ، والتى هى حلم مجرد يصعب الامساك به ؛ الا من خلال الوقوف على مجمل أعمال الفيلسوف
ومحاولة تأويلها فى سياقها الأساسى ، وأدعى أن هذه الرؤية فرضية ورهان وخلاصة دراستنا
، وأنها ربما تكون صادمة أو غير متوقعه من حيث اختلافها عن القراءات السابقة لميشيل
فوكو ، وخصوصا القراءة التى ترى ميشيل فوكو بنياويا صرفا كقراءة عبد الوهاب جعفر على
سبيل المثال لا الحصر .
تتمحور الرؤية العامة لفلسفة فوكو ؛ حول قيمة
الحرية المطلقة للذات الفردية الانسانية ( تلك الحرية المطلقة التى لا يحدها اى حدود
، لا سلطة و لا معرفة مستثمرة من قبل السلطة(*) –اطار اجتماعى عام -، حتى انه ليقال
عن تلك الحرية التى يدعو لها فوكو انها تقترب من
الفوضى ) ، فحلم الفلسفة الفوكوية هو تحرير الذات الفردية الانسانية (كتعبير
حقيقى عينى غير متعالى) من كافة اشكال أو ممارسات التسلط الواقع عليها ، فهى فلسفة
تهدف وتقصد فى غرضها النهائى لتحرير الذات
الانسانية من أى نوع من انواع القمع أو الكبت ، و حماية تلك الذات من كافة اشكال الاستلاب
أو الاغتراب ، والدفاع عنها من محاولات طمس وجودها ونفى استقلالها و فاعليتها فى صناعة
الاحداث .
وهنا لابد وأن نلاحظ تشابها مع الوجودية وهو
بالتشابه الظاهرى فحرية ميشيل فوكو ليس حرية مسئولة كما عند سارتر ، وليست مقيدة باطار
اجتماعى عام كما نجد عند سارتر ، وهو الاطار الذى سيفضحه فوكو ، فالذات عند فوكو ذات
حقيقية متعينة وليس ذات انسانية مفارقة وتعبر عن النوع كما عند سارتر . كما ان فوكو
يبغى ذات غير مستلبة من الداخل اى غير مصنوعة كما اراد الخارج (الجسم الاجتماعى ) صناعتها
، انها ذات يريدها فوكو فاعلة وان كانت فى واقعها المأسوف ميته ومنتفية الفاعلية ،
انه نوع من الجهاد للذات لتكون فاعلة فى اطار سيطرت عليه البنية .
فيكشف فوكو عن تلك الحقيقة الملموسة التى لاسبيل
من نكرانها فى سياق عصرنا هذا ، الا وهى حقيقة موت الانسان المعاصر ( انتفاء فاعليته والجور على
استقلاله ) داخل ابنية معرفية صاغتها وتحكمت فيها السلطة . فقد شكلت السلطة خطابات
معرفية نافذة تتسلط على الذات من داخلها عبر ترويضها و اقناعها اذ تسعى لتنميطها والسيطرة
المعرفية الكاملة عليها .
ولكن فوكو لا يقف موقف المتفرج المحلل الواصف
بل ينتقل فى عمله الاخير بالتحديد لاعطاء نماذج تاريخية لمجاهدة الذات للبنية وتشكيلها
لبنية مغايرة ، وهذا موضوع تاريخ الجنسانية
او الوجودية الشقية كما يحلو لى وصفها من حيث كونها مكافحة للذات من اجل ابداع وصياغة
ذاتها بمعزل عن الخارج .
" كيف يمكن للذات ان تسلك بمعزل
عن المعرفة والسلطة ؟ "(1) ذاك هو السؤال الذى طرحه الفيلسوف الفرنسى المعاصر
"ميشيل فوكو" "Michel Foucault
" (1926-1984
) , بعد ان تعرض لفضح وكشف اليات وتقنيات السلطة
فى تحقيق موات الانسان المعاصر ونفى فاعليته و هضم استقلاله ، وخنقه داخل بنى معرفية مصنوعة خصيصا لغرض حبس
الذات فى انماط سلوكية محددة ، وجاءت اجابة ميشيل فوكو علي السؤال - سؤال الذات - وكيف
تسلك بمعزل عن المعرفة أو السلطة ؟ من خلال اخر كتاباته ، كتاب " تاريخ
الجنسانية " مصدر هذه الدراسة
و موضوعها .
· حدود الدراسة : " دراسة
فى فلسفة الاخلاق المعاصرة "
لا تتناول هذه الدراسة فلسفة ميشيل فوكو
ككل ,( وهى – اى فلسفة ميشيل فوكو - على اية
حال ليست فلسفة نسقية مذهبية ، فلا يؤسس فوكو
ما يمكن ان يطلق عليه مذهب فلسفى ، وانما كانت ممارسته الفلسفية محض نقد وتحليل ثقافى
) ولكن تركز هذه الدراسة التناول و المعالجة
على فكر ميشيل فوكو الاخلاقى فقط . والتى يقال انه ظهر بشكل أساسى عبر كتاباته المتأخرة
(2), أى أننا نتناول مرحلة بعينها من فلسفة الفيلسوف , نما فيها لديه فكرا امكن فيه
للبعض وصفه بكونه أخلاقى ، و تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها ان ميشيل فوكو صاحب
نظرية أخلاقية معاصرة(3), تتمظهر حولها وتتجلى منها أخلاق تطبيقية معاصرة ، ونحن فى هذه الدراسة نحاول صياغة وبلورة
أهم ملامح هذه النظرية الاخلاقية . وذلك عبر تحليل وقراءة كتاب فوكو الاساسى فى الاخلاق وهو " تاريخ الجنسانية
"(4).
يمكن لنا اذن ان نصنف دراسة بعنوان :
" آليات ممارسة الذات : دراسة فى أخلاق ميشيل فوكو " . على انها اولا وقبل
كل شئ دراسة فى فلسفة الاخلاق المعاصرة ( وكلمة
المعاصرة تلك ، تجعلنا نخصص الفقرات القادمة للحديث عن سياق العصر المعاصر أو عصر ما
بعد الحداثة ) ؛ التى ينطق لسان حالها معبرا " اننا اذا نجحنا فى تغييب العقلانية
الكلاسيكية الحازمة فلن نجد سوى الارادة التى تحركها الرغبة الفردية فى الجميل كحرية
مطلقة ضد اى سلطة " هذا هو حلم الإرادة الحرة فى كل زمان ومكان ، و ليتحقق الحلم
كاملا كان لابد اولا من ان يتسيد خطاب ضد العقلانية الكلاسيكية وكان اعلى المنطوقات
صوتا فى خطاب عصرنا هذا ، منطوق ميشيل فوكو " تاريخ الجنون فى العصر الكلاسيكى
"(5) الذى كان بمثابة اقوى واشهر دحض معاصر يوجه للعقلانية الكلاسيكية .
· فى مبررات قيام فلسفة أخلاق
خاصة بفوكو :
من حق الخطاب الفلسفى – على حد ما يرى فوكو على الاقل - مراقبة الخطابات المعرفية الاخرى
، وكان ذلك هم فوكو الاول : دراسة اشكال الممارسات الخطابية فى المجالات المعرفية المختلفة
، فكان الكشف الاول لفوكو وهو ان الخطاب - أى خطاب - ليس الا تمظهرا للسلطة ، فكان لابد من انزياح نظرى
من دراسة اشكال الممارسات الخطابية الى دراسة تمظهرات السلطة ، وبشكل أكثر بساطة وعمقا
يمكننا ان نقول كلمة بيكون بفهم آخر معكوس خاص بفلسفة فوكو : " المعرفة قوة (سلطة
) " ( ليست المعرفة هى التى تعنى اكتساب السلطة وانما اكتساب السلطة يعنى القدرة
على خلق المعرفة ) ، او ان نردد قول نيتشه بان القوى هو الذى يملك صلاحية تسمية الاشياء
انه السيد ، وما الفلسفة فى تاريخها ولا الخطابات المعرفية الا صناعة وصياغة للمفاهيم
والاسماء على حد رؤية جيل ديلوز ، ما يراه فوكو فى الخطابات المعرفية فى حضارته الغربية
او فى المعرفة بشكل عام انها ما هى الا استثمار للقوة والسلطة وتمظهر من تمظهراتها
.
ويوضح
هاشم صالح(6) فى سياق حديثه عن مشكلة المعرفة والسلطة والعلاقات المتشابكة التى تربط
بينهما عند فوكو انه اى فوكو كان قد قال فى الدرس ما يلى : يتصور الناس عادة ان السلطة
تقع فى جانب والمعرفة فى جانب آخر . السلطة يمارسها اناس لا علاقة لهم بالفكر او بالمعرفة
، أناس ميالون للعسف والبطش فقط . وان السلطة تجعلهم عميانا عن كل حقيقة وكل فهم .
واما المعرفة فهى من اختصاص الفلاسفة المنعزلين فى بروجهم العالية ؛ اناس لا علاقة
لهم بالواقع الخارجى ؛اناس محاطين برفوف الكتب والمراجع والمحابر فقط ، ان هذا التصور خاطئ من اساسه ،يقول فوكو ،ذلك
انه حيث توجد السلطة توجد المعرفة أو نوع محدد مننها ، وحيث توجد المعرفة يوجد حد معين
من السلطة .ان مجرد ممارسة السلطة يؤدى الى خلق المعرفة وانبثاق المعرفة وتجميع المعلومات
وبالتالى استخدامها . وايضا فان ممارسة المعرفة تنتج بالضرورة نوعا من السلطة ، واوضح مثال على ذلك واقلها خطرا استاذ
الجامعة الذى يجيز الطلاب او لا يجيزهم .اذن فلا معنى للفصل الحاد و القاطع بين السلطة
والمعرفة ،ذلك انه توجد بينهما علاقات أكثر تشابكا وسرية وتعقيدا مما يظن الكثيرون
. وأذكر أنه قال ايضا :ان اولئك الذين يدعون لاحداث القطيعة بين البحث العلمى والراسمالية
الاحتكارية واهمون .ذلك ان الرأسمال يمول المخابر العديدة وفرق البحث العلمى وبالتالى
فهو الذى يمكن الباحثين من مواصلة بحوثهم والتوصل الى الاكتشافات الجديدة . اذن فالحقيقة ليست شيئا مجردا يمكن التوصل اليه بمعزل عن الشروط
المادية للوجود ، وانما مرتبطة بشدة بهذا الشرط بالذات .
وقبل ان ننتقل الى الانزياح النظرى الثانى فى
فلسفة فوكو ، وهو الذى سيكون محور دراستنا ، لابد من فض الالتباس المفاهيمى حول فلسفة
فوكو باعتبارها فلسفة من فلسفات البنية حيث تهتم بدراسة اشكال الممارسات الخطابية و
البنى المعرفية الكامنة فى الثقافة الغربية ، ولا تصلح فلسفة فوكو من حيث هى فلسفة
بنية لدراسة فلسفة اخلاقية (طبيعة الفلسفات الاخلاقية انها منجذبه نحو الذات ) خاصة بها .
فتقول نورة بوحناش(7) " يرى البعض انه من
مقتضيات البحث الأركيولوجي نسف أفكار الذات
والحقيقة والمعنى والأصل ، وذلك في سبيل تحقيق
مضمون موضوعي للمعرفة ومن ثم الكشف عن نسقها
الذي جعلها ممكنة ، ولكن في حقل غياب المعنى
هل يبقى من الممكن قيام معنى يمكن للأخلاق مشروعية وجودها ؟ ذلك اعتراض يحول دون استشراف
يسير وربما تقليدي للسؤال الأيتيقي في فلسفة فوكو، فآليات الأركيولوجيا ،تحدد مجالا
واحدا تعمل فيه إنها تكشف لعبة الحقيقة وتطمح إلى إزالة الأقنعة ثم تفكيك المجال التداولي
بين السلطة والمعرفة ،وسيغدو حقل الأخلاق مجالا خطابيا لممارسات التحليل الذي يتجاوز
كل طموح إلى الاعتراف بحضور المعنى " .
"عند فحص النهاية التي خلص إليها كتاب الكلمات
و الأشياء بإعلان موت الإنسان تظهر هوة سحيقة أمام عيان السؤال الأخلاقي في فلسفة فوكو
، ففيما يثبت مثل هذا السؤال حقه في الوجود في فلسفة القطيعة والنهاية ؟ ذلك أن الفاعل الإنساني
هو آلية كل تصور أخلاقي ، فهل نحن بصدد نهاية أخرى للأخلاق تجمعها آصرة التصور المعاصر
مع ذلك التوجه التحليلي المنطقي كيف يمكن ترتيب الأوليات الأخلاقية في فلسفة اللاتاريخ
واللإنسان واللاتقدم ؟"(8)
و الرد هو ان فوكو اثناء دراسته لتمظهرات السلطة
اكتشف الذات من حيث الدور المحورى الذى تلعبه السلطة فى بلورة وصياغة ادراك الفرد لذاته
وعلاقته بها . وكان ذلك موضوع اعماله الاخيرة او المتأخرة , فانتقل فوكو بهذا الانزياح
من مرحلة الفيلسوف الابستمولوجى الذى يعنى بالنسق والبنية الى مرحلة الفيلسوف الاخلاقى
الذى يعنى بالذات وعلاقتها بذاتها وسلوكها ، وهو موضوع دراستنا فى هذه الدراسة .
" لأجل فك هذا الالتباس يضع فوكو تصورين للذات في علاقتها بالسلطة ومن ثم
في تصوره للعلاقة بين الذات والفعل الخلقي
: التصور الأول : وهو الذي أجراه في تحليله للعلاقة بين الفرد والسلطة، إذ تمثل الأخلاق
في هذه العلاقة قناع من أقنعة السلطة و هنا يستخدم فوكو التحليل الأركيولوجي الجنيالوجي
ليبين أن الاعتراف يعد آلية التحكم في الذات من قبل السلطة ، ومن ثم الادعاء بامتلاك
الحقيقة وهنا تكون الأخلاق موضوع ممارسة للتحليل كغيرها من الخطابات المعرفية وستكون
الأخلاق هنا ممارسة للقهر وتدخل الآخر في الذات(9)
". وهذا التصور بالتحديد سنركز عليه فى دراستنا فى الفصل الثانى المعنون
" استراتيجيات السلطة وارادة المعرفة " و الفصل الثالث "تسطيح الذات
وتنميط الاخلاق ".
" أما
التصور الثاني: فهو تصور ما وراء السلطة ، وهو الاهتمام بالذات بعيدا عن مزاعم امتلاك الحقيقة وخارج سلطة السلطة ، ليبدأ ما يسمى عند
فوكو الوجود الجميل و راهنية مثل هذا الوجود لاتكتمل إلا باعتراف الذات بحقها في الوجود
الجميل متصرفة في ذاتها في الحدود القصوى للفردية ، حيث تتجاوز الذات تخوم الذاتوية
المقموعة وتنبسط أمامها الحياة الفردية(10)
" وسنركز على هذا التصور فى الفصل الخامس " الاهتمام بالذات والحلم
باللذات "
وليس المشكلة الاخلاقية ببعيدة عن كتابات فوكو
الاولى ، بالرغم من انه صرح بوضوح فى كتابه " الكلمات والاشياء " أن الفكر
المعاصر ليس في حاجة إلى الأخلاق و" كان
يقيم التعارض بين الفكر والأخلاق، ومرد هذا التعارض هو اعتقاده أن الفكر لم يعد يرسم
للناس ماذا يفعلون ، وفيما يجب أن يعتقدوا، وما الحقيقة التي عليهم أن يتشبثوا بها،
وما هو الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم. فكل حديث عن الفكر بهذا المعنى لا يمكن إلا
أن يعترف بعدم جدوى الحديث عن الأخلاق، لكونها لا تعكس ما يعيشه الفكر المعاصر، وبالتالي
المجتمع المعاصر."(11) ان ما يرفضه هنا فوكو بوضوح ليس الدراسة الاخلاقية عموما ولكن الاخلاق المعيارية على وجه الخصوص ، وهذا ليس
جديد على فلاسفة الاخلاق .
ففوكو
نفسه اثناء التحليل يكشف عن ان كل البنيات
القمعية ( السجون ، المستشفيات ) كانت استجابة لاخلاق جديدة فى المجتمع مثل اخلاق جديدة
للعمل فى مطلع عصر التنوير اكسبت السجون والمستشفيات دورا اساسيا
"لامتصاص البطالة والقيام بحماية اجتماعية ضد أعمال الشغب والفتن اى انه
لا ينكر الدور التاريخى الذى لعبته الاخلاق المعيارية فى كبح جماح الذات والتملص من حريتها .
فاذا تناولنا الكلمة ذاتها الأخلاق بتحليل فيلولوجى
لوجدنا اختلاف معنى ذات نفس الكلمة بين علماء اللغة انفسهم فالأخلاق في اللغة العربية
: " صفة تعطى للشخص الذي يكون سلوكه متفقا مع قواعد وقوانين المجتمع.آي مجتمع !! "(12) وبذلك تكون الأخلاق بطبيعتها
اللغوية شئ نسبى يختلف من مجتمع لآخر , وهو ما يتساوى اذا اخذنا بالمنهج التقابلى بين
اللغات مع كلمة (moral
) ذو الاصل الاتيني بمعنى العرف( ما اتفق عليه الناس فصاروا يعرفون به ) ,و لهذه الكلمة حاليا دلالة عمومية
على الأخلاق و يترجمها البعض بالآداب، وهناك
من اللغويين انفسهم من يرى ان الأخلاق :" جمع خلق ,والخلق وصفا لسلوك الإنسان
أيما كان عليه. "(13) مما يجعلنا نرى ضرورة الاخلاق للأنسان فلا انسان بلا سلوك
و لا سلوك انسانى الا ويمر على الفكر وبالتالى فالانسان كائن أخلاقى بطبيعته .
أما
علماء اللغة أصحاب المنهج المعياري يختلفون حول طرحان لدلالة الأخلاق ,وهذا نابع من
اختلافهم الكلامي ( اللاهوتي ) حول إذا كان الإنسان مجبر ( لا يملك حرية الإرادة) أم
مخير ( يملك حرية الإرادة ) .- فإذا كان الإنسان مجبر ,فان الأخلاق : جمع
الخلق ,هو الخلقة أو الطبيعة التي جبل عليها الإنسان. ( الطبع أو الخواص )-
وإذا كان الإنسان مخير فان الأخلاق : جمع للخلق , أي ما يخلقه الإنسان من أفعال بنفسه.
وهذا يتفق اذا أخذنا بالمنهج التقابلى بين اللغات مع كلمة (ethics) ذو الاصل اليوناني بمعنى
السمة ( الخصائص والصفات )
واذا تناولنا تتبع تاريخى بسيط وموجز للأخلاق
فى تاريخ الفلسفة الغربية لوجدنها مرت بثلاث مراحل اساسية ، المرحلة الاولى والتى تم
معاملة الاخلاق فيها على انها معايير للسلوك او قوانين أو قيم للقياس . وهى مرحلة الأخلاق
التقليدية ( Normative
Ethics ) و يمكن حصرها في تياران : تيار يرى أن القيم الأخلاقية مطلوبة في حد ذاتها
؛ وهو يبحث في الفضيلة كما عند افلاطون , و الواجب كما عند كانط ، وتيار آخر يرى القيم
الأخلاقية مطلوبة من اجل تحقيق غاية ؛ كالسعادة النفسية ( كما عند ارسطو ) ، او المنفعة
( اللذة ) ( كما عند أصحاب النفعية ورائدهم بنتام )
وهذه الأخلاق التقليدية هى ما يطلق عليها فوكو
" اخلاق موجهة نحو القانون " حيث نجد مجموعة من القيم وقواعد العمل المقترحة
على الافراد والجماعات بواسطة اجهزة فارضة مختلفة ، وقد تكون هذه القواعد مصاغة فى
مذهب مترابط واضح او تكون مشتتة تحوى مجموعة معقدة من العناصر تفسح المجال لتسويات
او مخارج .(14)
ويرى ادريس هوارى انه " بشكل عام يمكن أن
ننظر إلى موقف فوكو من مسألة الأخلاق والكلمات والأشياء على أنه موقف حذر يهدف إلى
إيجاد المنحى اللائق والملائم لتناول الأخلاق، بعيدا عن الطرح الإيديولوجي والميتافيزيقي
لها. " فهو يرى اى ادريس هوارى – مع فوكو ان الأخلاق تحدد ذاتية الإنسان و لا
تختزل فقط فى القوانين. لهذا وجب إقامة حفريات
للأخلاق .
اما المرحلة الثانية للفكر الأخلاقى تمثلت فى النقد الأخلاقي Metaethics و في هذه المرحلة فان البحث يدور حول المصدر الذي
استقينا منه تلك القيم والمقاييس والمعايير الأخلاقية. هل مصدر الأخلاق ذاتي ؟ (subjectivity ) , فالقيم تختلف من ثقافة لأخرى إذن فالقيم الأخلاقية نسبية ( النسبية الثقافية culture
relativity) , بل يرى البعض أن هذه القيم تختلف من شخص لآخر.
( نسبية فردية individual relativity) ، أم أن مصدر القيم الأخلاقية موضوعي( (objective ,قبلي ( أي فطرى ) ؛ بحيث تكون القيم الأخلاقية ثابتة أبديه مطلقة
لا تتغير ، وهل هذه القيم مصدرها العقل ؟ أم العواطف ؟ مصدرها الأنانية؟ أم الإيثار؟ هل القيم
الأخلاقية مجرد اختراع اجتماعي ؟ آي انها مطلوب
لضرورة اجتماعية فقط , أم انها مطلوبه لضرورة نفسية فقط؛ تتمثل في تحقيق السعادة. أن
البحث في هذه المرحلة تميز بالشك والتشكيك في القيم الأخلاقية ومدى ضرورة الالتزام
بها . وتولى الوضعيين المنطقيون دحض الأخلاق , لأنهم رأوا أن مهمة الفلسفة مجرد تحليل لمقولات العلم
التجريبي عن العالم ، فبذلك تكون العبارات الأخلاقية لا معنى لها لأنها ليس تجريبية
وغير قابلة للتحقق ، ومن هنا بدا الفلاسفة
يفسرون العبارات الأخلاقية تفسيرات نفسية انفعالية أو لغوية.
فبعد قول نيتشه: " أنا لست بأخلاقي !
" تحولت تلك المقولة لنقطة انطلاق في النقد الأخلاقي . واذا كنا نتتبع تاريخ الفكر
الفلسفى حول الاخلاق ، فان فصلا فى غاية الاهمية هو الأخلاق عند نيتشه ينبغى ايضاحه فرغم ما هو معروف عن نيتشه من قوله بنوعين من الاخلاق
هما أخلاق السادة ( القوة ) وأخلاق العبيد
( الضعف ) الا ان تحليلات غير تقليدية للأخلاق عند نيتشه ترى تعدد المواقف التى تناول
فيها نيتشه الأخلاق(15) ، وان موقف اخلاق السادة واخلاق العبيد هو موقف يندرج تحت فلسفة
التاريخ لا الاخلاق فنيتشه كان يقصد بأخلاق السادة والعبيد تناوبهما فى تاريخ البشرية
اذ يقول " روما ضد يهودا وياهودا ضد روما
.... حيث خص روما بالقوة لمعرفة اى اخلاق تسود الان و ما ان انتصرت اخلاق القوة حتى
ظهر الحقد اليهودى وان عادت قيم السيادة والقوة والنبل فى عصر النهضة , لكن سرعان ما
انتصرت ياهودا من جديد بفضل حركة الاصلاح ومع الثورة الفرنسية حين تهاوت اخر مقاعد
النبلاء "(16). معظم الدراسات الاخلاقية عن نيتشه ترتكز على اخلاق العبيد والقطيع
او الاخلاق المسيحية فى مقابلة اخلاق السادة والقوة والنبل , وان كانت هذه النقطة هامة الا انه لا
ينبغى الاقتصار عليها , فالاخلاق عند نيتشه ثلاث : اخلاق سلبية متمثلة فى رفضه للاخلاق
السائده , اخلاق السادة والعبيد , الاخلاق النفسية و الميتا – اخلاق .
ان نيتشه يعد فى رأى الاستاذ عطية من رواد
الميتا – اخلاق , وخصوصا فى نقده للاخلاق المسيحية والكانطية السائدة يعد هذا الموقف أحد العناصر الهامة فى الاخلاق النيتشويه
, ان لم يكن العنصر الاهم على الاطلاق , فالنقد الاخلاقى – الفلسفى الجذرى الذى قام
به نيتشه , وتمثل فى رفضه للاخلاق المثالية كما ظهرت لدى كانط فى "تاسيس ميتافزيقا
الاخلاق " ورفضه ايضا للاخلاق المسيحية .
نعود من نيتشه فيلسوف أرادة القوة الى فوكو
فيلسوف تاريخ علاقات القوى لنرى نوعية الانشغال الاخلاقى عند فوكو فهو يقارب - أى ميشيل فوكو - فى دراساته الاخلاقية اخلاقا لا تعنى بمنظومة القيم
والاوامر والنواهى التى تنتصب فى مستوى الشخصية القمعية للمجتمع– على حد تعبير مطاع
صفدى – وانما تعنى فى المقام الاول بسلوك
الافراد الفعلى تجاه ذواتهم من اجل جعلها ذوات اخلاقية قادرة على
الفعل الاخلاقى. ولذا تسمى الاخلاق عند ميشيل
فوكو " آليات (تقنيات ) ممارسة الذات
" (17). او بشكل أدق " تكنولوجيات الذات "
ويسهب ميشيل فوكو فى الحديث عن مفهومة
للاخلاق التى يدعى انه يقدم لها تاريخا عبر كتابه "تاريخ الجنسانية " فى
بداية الجزء الثانى لهذا الكتاب المعنون "باستعمال اللذات " وفى مقطع بعنوان
" الاخلاق والمران الذاتى" حيث يفصل فوكو بين مستويان من الفكر الاخلاقى
: ذلك المستوى للقاعدة السلوكية والقانون الاخلاقى والذى يطلق عليه " اخلاق موجهة
نحو القانون " حيث نجد مجموعة من القيم وقواعد العمل المقترحة على الافراد والجماعات
بواسطة اجهزة فارضة مختلفة .
لكن مستوى اخر من الفكر الاخلاقى هو ذلك
الذى يعنى فوكو هى المستوى الخاص بالسلوك فى علاقته مع القواعد ويطلق عليه فوكو
" اخلاق موجهة نحو الاداب " ففوكو يتحدث عن الفعل الاخلاقى بكونه ينطوى على
علاقة بالقانون الاخلاقى ومدى مطابقته له وينطوى على علاقة اخرى اكثر اهمية هى علاقته
مع الذات وهى ليس مجرد احساس بالذات وانما تكوين لها كذات اخلاقية تستطيع الخضوع للقانون
الاخلاقى بالاستناد لعناصره الفرضية التى تؤلفه فتكوين الذات كذات اخلاقية فاعلة هو
ما يعنى فوكو فى الاخلاق اولا واخيرا وذلك يتم عبر ما يطلق عليه فوكو اشكال للتذويت
والمران الذاتى التى تنصب مباشرا على علاقة الانسان مع نفسه فى مختلف افعاله وافكاره
ومشاعره والاساليب والتقنيات والتمرينات التى تسمح له بتغيير نمط وجوده الخاص واتباعة
للقانون الاخلاقى.
وتتضح هذه الاشكال من التذويت والمران الذاتى
اكثر ما تتضح فى دعوة الفرد الى اكتشاف نفسه كذات اخلاقية للسلوك الجنسى وفى استعمال
اللذات كميدان للتقويم والاختيار الاخلاقى(18). وهذا الوضوح و البروز للسلوك الجنسى
فى ميدان الاخلاق سمة من سمات المجتمعات الغربية الحديثه ، مما جعل فوكو يتسأل عن كيف
تشكلت فى هذه المجتمعات الغربية المعاصرة تجربة تعرف من خلالها الافراد على انفسهم
باعتباراهم ذوات جنسانية أى كل هدفها وغايتها هى الممارسة الجنسية ، وهو ما يطلق عليه
فوكو " الذاتوية كجنسانية ". وهو ما سيكون موضوع الفصل الثالث من الرسالة
بعنوان " استراتيجيات السلطة وارادة المعرفة "و يتناول هذا الفصل تلك الارادة
المتمثلة فى الفعل الايجابى للسلطة لتحويل الذات الى ذات جنسية يسهل تنميطها ونمذجتها
. ويعد هذا الفصل مقاربة وقراءة للكتاب الاول
من تاريخ الجنسانية ارادة المعرفة .
ان ما يقدمه لنا فوكو باعتباره فنا للوجود وابداع
للذات اى " تكنولوجيا الذات " هو صورة جديدة لأخلاق نفسية قديمه نشأت بوضوح
صارخ عند نيتشه كما كشفت قراءة الاستاذ عطية
, ويتضح ذلك من خلال تأثر نيتشه ببول رى فى كتاباته(19) واعتقاده فى ضرورة البحث عن
اصل الاحاسيس الاخلاقية . فالاخلاق النيتشويه تشكل مذهبا للاحساسات الاخلاقية ,وهو
ما ينبهنا له الدكتور عطية , وخلاصة هذا المذهب تتمثل فى" ان الاخلاق كما فهمت
حتى الان وكما قدمها شوبنهور هى نفى ارادة الحياة لذلك يطالبنا نيتشه بتاكيد للحياه ""المعادلة الاساسية "الوجود
= القيمة انما تشكل العنصر النوعى فى فلسفته
ولا يمكننا حذفه دون ان نحذف نيتشه بكامله معه " وهى نفس المعادلة عند
فوكو " فن الوجود = تقنيات ممارسة الذات = فن ابداع الذات =الاخلاق الفوكوية
"
فاذا كان هناك مشروعية فى فرضيتنا عن وجود نظرية
أخلاقية وفلسفة أخلاقية عند ميشيل فوكو فأن السؤال الذى تطرحه علينا تلك الفرضية الان
هو على اى شئ تتأسس الاخلاق عند ميشيل فوكو ؟ ذلك هو السؤال ويمكننا ان نتوسع فى طرح السؤال على أى شئ يمكن
أن تتأسس أخلاق معاصرة بما لعصرنا هذا من سمات وخصائص فريدة.
نتشوية
العصر :
يبدأ الاستاذ عطية دراسته عن " الاخلاق
فى عصر ما بعد الحداثة " متابعا لجاكلين روس فى كتابها" الفكر الاخلاقى المعاصر" , بالحديث الموضوعى عن سياق العصر الراهن, فهو يقدم دراسة شاملة عن الخصائص الفلسفية العامة
للعصر الذى نحيا فيه , عصر ما بعد الحداثة , وفى ايجاز شديد نرى الاستاذ يغطى مساحة
فكرية كبيرة , اذ يرصد و يحلل هذه الخصائص وهى:" افلاس المعنى والفراغ الاخلاقى
المعاصر" : يشير الى "تلاشى الاسس المعتادة الانطولوجية والدينية"(20)
التى يمكن ان نؤسس عليها اخلاق نظرية , وهو ما سيرتبط بالطرح الاشكالى الممتد عبر الدراسة
كلها عن كيف يمكن تأسيس اخلاق نظرية فى عصر يمتلك تلك الخصائص الصعبة , كما يشير الى
ازمة الحقوق ومفهوم العدالة فى سياق العصر
, ولابد اذا ذكر الفراغ و المعنى ان تذكر عدمية نيتشه فها هو الاستاذ يهتم دائما برصد تأثير ذلك الفيلسوف على العصر الراهن
, وعدمية عصرنا تختلف عن عدمية نيتشه كما يشير الى ذلك الاستاذ مستشهدا بقول هانز يوناس
" اننا نرتعد الآن فى عراء عدمية تتزاوج فيها اكبر قدراتنا مع الفراغ الذى نحيا
فيه "(21).
ثم يتحدث عن : "غياب المنظومات الكبرى
وموت الايدلوجيات" كما يذكر ليوتارد اى "ابعاد المذاهب والمنظومات الاحادية
التى ظلت سائدة طويلا", واختفاء الحكايات الكبرى يظهر بعدا اساسيا اخر من هذه
" العدمية الشاملة بوصفها عصر"–على حد تعبير الاستاذ – فهو يقول واصفا عصرنا
" انتهت فيه الغايات وتلاشت القيم العليا"(22), ويقف الاستاذ على مفهوم الحكايات
الكبرى عند ليوتار مفسرا اياه بان " مذاهب القرن الثامن عشر المرتبطة بتحرير المواطن
وفكرة التنوير كانت تعمد الى ان التاريخ البشرى
يسير وفق غاية عقلية اكدها هيجل فى تصوره لتطور الوعى فى العالم , و الماركسية فى تصور
عالم لا طبقى يعيش فيه الجميع " وهو يشير لاثر ذلك على الاخلاق فيرى ان انقلاب
الايديولوجيات هو اصل اعادة تنظيم مبادئ الاخلاق النظرية و الوهم الكامن فى كل مشروع
شامل عن المجتمع.
وثالثا : " سيادة الفردية " فهو
يقول " تظهر الفردية بشكل سافر"ويتحدث
عن الفردية فى اطار شكل اخر مختلف لها عن تلك الفردية فى مرحلتها الاولى التى كانت
" فردية فتية تعتز بالفرد مقابل كل السلطات وتعتز بقدرته اللامحدودة على تحقيق
غاياته فى بناء المجتمع فهى نوع من ارادة القوة – حضور نيتشه عند الاستاذ دائما - يتحرر
فيها الفرد من قيد المجتمع سواء الدولة او الكنيسة "(23),وهو يتتبع
تطور الفردية من هذا الشكل كما بدت فى عصر الحداثة والتنوير الى ان وصلت الان لشكل
مختلف "لافراد متمردين على كل الانظمة والقواعد وشتى الالتزامات,تعبر- الفردية
- عن الرغبة فى المتعة اللانهائية , المتع
النرجسية , انها تعبر عن قيم الاستمتاع ,الاباحيات ,الخصائص المزاجية الجامحة
"ومن هنا يصل الاستاذ لطرح ذلك التساؤل ما الذى يستطيع ان يكون مصدر قبول كلى
فى مجتماعاتنا المعاصرة المتقدمة ؟ وخاصة ان علمنا ان هدف اى اخلاق هو " الانتقال
من المبعثر والجزئى والذاتى الى الامر الكلى "(24)
ويعرض
رابعا : ل" تطور العلم والتكنولوجيا " العلم الذى كان مصدر تقدم الانسان
ورفاهيته وامنه " كما يرى الاستاذ صار اليوم غاية الخطورة , فالانسان " ينزع
للتجريب والتجديد لا فى الطبيعة الخارجية فقط بل فى الكيان الانسانى
( الهندسة الوراثية – الاستنساخ ) "ويستشهد الدكتور بكارل اوتو ابل فى
كتابه" الاخلاق فى عصر العلم "
, " ان العلم والتقنية يقودان فى الواقع الى توحيد المجتمع المعولم , كما
يقودان الى حاجة اكبر للمسئولية , فقد بلغت النتائج التكنولوجيه للعلم مدى عالميا وهى
تطالب ببعث اخلاقى وليس فى وسع اى اخلاق خاصة ناجمة عن جماعة اجتماعية محددة ان تنظم
مسائل بمثل هذا الاتساع " فتقدم القدرة التكنولوجية للانسان يفجر الاحساس بالمسئولية
, الذى يبرر الدعوة لتأسيس أخلاق عصرية .
ونلاحظ ملحوظتان على ما فات اولا: حضور نيتشه
الدائم عند الاستاذ كمرادف للراهن مما يدعم قولنا بان دراسته عن الاخلاق النيتشوية
دراسة تأسيسية تهتم بالراهن . ثانيا : حضور الطرح الاشكالى حول تأسيس أخلاق معاصرة
فى تحليله لعصرنا وتبيان مدى صعوبة ذلك ومدى اهميته فى ان واحد .
فهو يرى ان "الاخلاق ضرورية واشكالية
معا", كما يرى مع جاكلين روس ان" القيم هى الهدف الاقصى لحماية المجتمعات
الديمقراطية الحديثة "(25) وان لم تكن الاخلاق ضرورية فى عصرنا, هذا فما الذى
يفسر ازدياد الطلب الاخلاقى " فهو يبدوا انه ينمو نموا لا محددا فكل يوم نجد قطاعا
جديدا من قطاعات الحياة ينفتح امام الواجب
" (26) , ان "مهمة التأسيس
اصعب غرض لعصرنا" كيف نرقى اذن لنبلغ فكرة التأسيس الاخلاقى النظرى ؟ ان الهوة
بين الطلب الاخلاقى النظرى الملح والعمل التاسيسى الحقيقى لهذه الاخلاق, هى المفارقة"(27)
كانطية
الأخلاق :
التاكيد عن التعبير عن الاخلاق هنا بكلمة
الواجب هو الحدس الجوهرى لدراسة الاستاذ عطية عن " الاخلاق فى عصر ما بعد الحداثة
", فالاخلاق اليوم كما يرى الاستاذ اصبحت علم الواجبات حيث اختلطت بعلم القواعد , ولم تعد البحث فى جملة القواعد السلوكية
المتعلقة بثقافة معينة او مجتمع ما , والاخلاق من حيث هى ذلك ومن حيث هى علم واجبات
هى الاخلاق الكانطية,بالالف والام . ان الاستاذ هنا يقدم الارهاص لدراسته كانط وما
بعد الحداثة , التى تعد فتحا جديدا فى مجال دراسة فلسفة ما بعد الحداثة , فالقراءة
المعتمدة لما بعد الحداثة هى قراءة نيتشه ونقديته الجذرية ذو التأويل الوجودى , فى
حين يبدوا كانط كأصل من أصول ما بعد الحداثة , قراءة انقلابية , حيث نيتشه ونقديته
الجذرية هى المقابل الموضوعى -وان شئت قل العدو المكمل- لكانط ونقديته العقليه , فكيف
اجتمع فى عصر ما بعد الحداثة كانط ونيتشه . ولاسيما عند ميشيل فوكو كما سنعبر عن ذلك
فى الفصل الثانى : " فوكو والتراث الفلسفى السابق عليه ". فترى النظرة التقليدية
ان ثمة صراع بين الكانطية الجديدة فى الاخلاق وما يسمونه بالارسطية الجديدة . فيقول
بليمان عبد القادر:
"حيث
بدأت النظرية الأخلاقية تكتسي شكلاً ديونطولوجيًا (أمريًا) كانطيًا جديدًا مع جون رولز
ولورنس كولبيرج وأوتو آبل وخاصة يورغن هابرماس الذي يعتبر من أبرز ممثلي هذه النزعة
وأكثرهم اهتماما بإبراز تكامل جهود هؤلاء المفكرين مع المنظور الصوري التواصلي للأخلاق،
الذي عمل على بلورته منذ السبعينات من القرن الماضي."(28)
كما ظهرت نزعة مضادة – فى رأى بليمان عبد القادر
( وان كانت فى رأينا لا تمثل الضد المطلق لانها حريصة ايضا على الواجب الاخلاقى الكانطى
وانما من خلال وعى الافراد المتمايز والمختلف به ) - تكتسي طابعا تحليليا عمليا يعني بالبحث في
" معنى الحياة الخيرة " في ضوء حداثي يستلهم النظرة اليونانية، والأرسطية
للحياة الخيرة: مع شالز تايلور، وبرنار ويليام، وآلادير ماك أنتير وغيرهم. ونحن نرى
ان ميشيل فوكو وان لم يعبر صراحة عن هذه النزعة الا انه يتشابه الى حد كبير معها فهو
يرجع الى اللحظة الفلسفية اليونانية والرومانية ، فضلا عن انه يهتم فى اخلاقة بالذات
الاخلاقية وليس المعايير والقوانين الصورية .
فتيار
الأرسطية الجديدة – على حد تعبير بليمان عبد القادر - يستلهم فى فلسفته الأخلاقية الرجوع
إلى اللحظة الفلسفية اليونانية ، ويقف ضد الكانطية الجديدة، التي يعتبرها مسؤولة عن
التضييق الخطير لمعنى الأخلاق في الفلسفة الحديثة والمعاصرة: لأن هذا التضييق أفقد
الأخلاق حيويتها من خلال صرف الاهتمام عن الهوية، والذات الفاعلة الباحثة عن التميز
والتفوّق والأصالة. ومن ثمة وقفت ضد كل ما من شأنه أن يعري العالم من المعنى، ويحيّد
الاختلافات والخصوصيات ويمحوها من الخطاب الأخلاقي. فنجد شارل تايلور رفض وبقوة أن
تؤسس الأخلاق على مجرد الإجراء العقلاني اللامنحاز، لأن الاهتمام بصورية الإجراء تعني
عزل الإنسان عن دوافعه الحقيقية وبواعثه الذاتية.وعليه فقد ومن هنا فقد طبق المنهج
الجينيالوجي النيتشوي على الواجبات الأخلاقية الأساسية التي تكوّن هوية الأخلاق الحديثة
في الحضارة الغربية وهي: الحرية والغيرية والكونية.
فهو يعتبر " فالأخلاق الأفلاطونية مثلا
غيرت الإطار المرجعي لأخلاق المجد والشرف في عصر هوميروس واستبدلته بأخلاق العقل وضبط
النفس.إن تركيز التأمل الأخلاقي على الفعل وحده، وإهمال الشعور الداخلي بما هو جدير
بالمحبة والخير، وبمعنى آخر التمييز بين الأخلاق والاتيقا: يعود سببه الأصلي إلى الحياد
الذي ذاع انتشاره انطلاقا من المنهج الطبيعي، وانتقلت عدواه إلى النفعية التي أصابت
بدورها الكانطية وخاصة الكانطية الجديدة: حيث تمت معها دنيوة الأخلاق وحصرها في الإجراء
الحجاجي الصوري. "(29)
" إن بناء الذات اللامنحازة في
النظرية الأخلاقية، والتي لا تهتم إلا بصورة الإجراء هو الذي خلق شروط العودة إلى النقد
النتشوي العدمي الذي شكل ميشال فوكو مثاله المفزع. "(30)
يشترك ويليام برنارد في نفس الرؤية مع شارل
تايلور وهي العودة إلى اللحظة اليونانية، وطرح المشكلة الأخلاقية من زاوية تأمل الحياة
الخيرة.حيث يعارض المعرفة العلمية للأخلاق: لأن هذه المعرفة يمكن أن توجه سلوكنا تجاه
الطبيعة لكن سلوكنا تجاه الغير يخضع للمعرفة الأخلاقية: التي ترقي مثال الشخصية الفردية
والجماعية بالتأمل. فالقضية الجادة للأخلاق هي أن "نحيا الحياة" بكامل طاقاتها
وفق المبدأ السقراطي القائل بأن «الحياة من دون تأمل هي حياة لا تستحق أن تعاش
" لقد أعجب بالأفق الأخلاقي الإغريقي عند سقراط وأرسطو خصوصا: الذي يتخذ من الشخص
موضوعه الأخلاقي المركزي: ومن سؤال الأنا يتطور إلى سؤال النحن.(31)
نرى فى الصراع بين الكانطيين الجدد والارسطين
الجدد على حد تعبير بليمان عبد القادر معنيين للاخلاق " معنى يربطها بالتجرد من الفردانية والارتقاء
نحو الكونية ( الكانطية الجديدة ) ، ومعنى يجعل من الأخلاق مصدرًا يمنح الفرد الشرعية في أن يكون كائنا له خصوصيته وهويته الذاتية على
وعي بالأصالة الذاتية، والحرية والكرامة الشخصية، والتميز والتمتع والتحرر والإبداع. ( الارسطية الجديدة ) .
وعلى طريقة المدونات الاخلاقية فى العرض
نقول يقدم لنا الدكتور عطية المبادئ العشرة للفكر الاخلاقى المعاصر ,اولها مميز من
حيث هو مبدأ شهد تقهقرا جزئيا فى الفترة الاخير وهو مبدأ الفاعل الحر المستقل و اخرها
مبدأ مميز باعتبارة مبدأ جديد يتميز به عصرنا اما الثمانى مبادئ الاخرى فهى مبادئ تقليدية
حيث " لا يمكن ان توجد قطيعة بين الاخلاق المعاصرة وبين اصولها "(32) فى
الاخلاق النظرية التقليدية . او يمكن ان نردد مع الاستاذ عطيه ان" ذاكرة التقاليد
تنصهر فى مغامرة الاخلاق النظرية الجديدة "(33) .
فاذا عدنا لكلاسيكيات الفكر عن فاعل حر
مستقل ضرورى للمسئولية الاخلاقية , فيقول الدكتور عطية :" الفاعل المستقل استقلالا
ذاتيا والمسئول الذى يحدد لنفسه بنفسه قوانينه الخاصة دون الرجوع الى سلطة خارجية
, مسئول عن ذاته وافعاله كل المسئوليه بوصفه
حرا "(34) هل لهذا الفاعل فى عصرنا وجود ؟ وهل للسلطة الخارجية او احيانا الداخلية
المستمدة من الخارج كما يوضح لنا فوكو حدود او قيود او نهاية ؟ ان الكل يتحدث عن السلطة
والتسلط فى عصرنا هذا بكل الاشكال.
فهل يجوز ان نتحدث عن مبادئ للاخلاق المعاصرة
دون الحديث عن تلك الظاهرة وهى استلاب حرية الفرد وطمس وجوده لصالح السلطة,والاستاذ
عطية يطرح علينا تلك الاشكاليات يحدثنا عن ان الفاعل الحر المستقل هو المبدأ الاخلاقى
الذى دافع عنه الثلاثى التنويرى الهام فى تاريخ الفلسفة , باعتباره اساسا لاى اخلاق , نيتشه وكانط وسارتر , والدكتور عطية يوضح ذلك ويطرح
علينا تلك الاشكاليات , واعتقد اننا نرى هذا المبدأ واضحا غاية الوضوح فى وجودية سارتر
, اما التأسيس لهذا المبدأ فكان لكانط . فيرى الدكتور احمد انه " عند كانط الارادة تهب نفسها قانونها , فالقانون الاخلاقى
لا ياتى من سلطة خارجية بل من الانسان نفسه ,الذى يعد موطنا وملكا فى مملكة العقلاء
,وهو مصدر السلوك الاخلاقى ,فالقانون الذى تخضع له الارادة الاخلاقية يصدر عن الارادة
نفسها ", ويجيب الدكتور على سبب نسبيا للتقهقر لهذا المبدأ الاخلاقى هو صعود نجم
البنيوية فيقول "غابت الذات وظهر النسق والبنية وتحدث فلاسفة ما بعد الحداثة عن
موت الانسان ان غياب الذات الانسانية ,الفاعل
الاخلاقى فى اطار الفلسفة البنيوية وما بعد البنيوية يشكل عاملا مقوما للاخلاق النظرية
المعاصرة فبينما تميل فلسفة الفاعل الى تعريف الانسان بانه فرد حر مسئول مانحا الاشياء
المعنى تؤكد البنيوية على النماذج المجردة واولوية البنية بالنسبة للفاعل المسئول وبدلا
من ان يكون الوعى والفاعل واهبى المعنى والمعقولية نجد ان القواعد والمنظومات والعلاقات
هى التى تقدم النسق الحقيقى حيث يختفى الفاعلون"
(35)
يبدو التقهقر جزئيا ومحدود عند ميشيل
فوكو حيث اهتم بالفاعل بوصفه علاقة ناجزة مع الذات فى التحليل الجينالوجى للاخلاق فى كتابه الاهتمام بالذات وهو ما عاد ليؤكده من جديد جيل ديلوزفى الاختلاف والتكرار فهو يقدم
" رؤية عن الواقع بوصفها حقلا خلو من الفاعل ومن الفردية الشخصية "(36) كما يرى الاستاذ فهو يرى ان
الفكر المعاصر يحملنا نحو عالم طرد منه الفاعل .
"
تستعرض جاكلين رويس المذاهب النظرية لتأسيس الأخلاق التطبيقية ويمكن تلخيص هده المذاهب
في ستة مذاهب كبرى تتبع ثلاث أساليب :-
الأسلوب
الأول إحياء قيم قديمة كانت قد زالت وانتهت
وهم ثلاث مذاهب
1
– مذهب الرغبة والسعادة
يعتبر ديلوز المتحدث الرسمي باسم هذا المذهب
والوكالة العربية لهذا المذهب هو مزراحى ويعتمد هذا المذهب على إحياء واستلهام أفكار الفيلسوف الراحل اسبينوزا ,ويعتمد على مبدأين
الجهد والنشاط فالجهد والنشاط هم منبع الراحة والسعادة ( لي تعقيب صغير على كلمة السعادة
وهى انه لا يوجد شئ اسمه سعادة في علم النفس أو الفلسفة بل هو مجرد شعور بالفرح وتتم
ترجمة الكلمة خطاء على إنها السعادة ), فقد تكلم اسبينوزا عن النقص الدى يولد السعي
الدائم نحو الكمال وهذا أساس شعورنا بالفرح هو أن نسعى إلى الكمال فالجهد المبذول في
هدا الصدد يسبب شعورا بالفرح,ولهذا فان الألم يحقق سعادة في أن واحد فكل سلب تعين فسعادة
الإنسان في مقاومة المرض تثبت انه لولا وجود المرض لما شعر الإنسان بسعادة الشفاء
.
2
– مذهب التعالي الديني عند ليفيناس
وهو فيلسوف يهودي معاصر , يرى إحياء تعاليم
التلمود تشكل مذهب أخلاقي معاصر , ويعتمد على قراءة ظاهراتية للأداء الإنساني فوجه
المجني عليه عندما ينظر إليه الجاني يرى فيه الله فلا ينفد جريمته, ولقد ركز ليفيناس
في بحوثه على فيمنولوجيا اى ظاهرية ( الظاهرة كما نعيها كما تتمثل فى الشعور) الوجه
الإنساني ,وهذا المذهب ليس إلا إحياء لأخلاق
نفسية تتأسس على الدين
3
– مذهب العدالة عند جون رولز
وهو فيلسوف أمريكي له نظرية في العدل تحل محل
الاشتراكية والشيوعية كمعادل موضوعي داخل الرأسمالية الغربية فهو يحل مشكلة العدل داخل
هدا النسق الرأسمالي,وهى صياغة جديدة للنفعية الأخلاقية التي مبدأها :
"
أقصى منفعة للفرد لأكبر عدد من الناس"
فهو يرى فرق بين العدل والإنصاف فالعدل هو
أن أعطى الكل بتساوي وهذا غير مطلوب والإنصاف هو أن أعطى كل حسب حاجته وهذا هو المطلوب
وبهذه الطريقة تتحقق النفعية
الأسلوب
الثاني إحياء قيم قديمة تقهقرت جزئيا في الحاضر
قيمة
الفاعل الحر المستقل ( الفردية)
1
– مذهب الأخلاق بوصفها علم جمال
يظهر هذا المذهب عند الفيلسوف الفرنسي الكبير
الذي زلزل أركان الفلسفة وغير أسلوبها ميشيل فوكو , فهو يرى أن الإنسان أمامه مساحة
من الحرية ليصور حياته على أنها عمل فني جميل فليبتغى الإنسان من وراء سلوكه التمتع
بجماليات الحياة حلوها ومرها فما الحياة إلا عمل فني حر , فهو يتحدث عن العصر اليوناني
كعصر ذهبي للإنسان وكيف كان يتمتع اليوناني بحياته بكل حرية وهو يرى أن هذه الحرية
قد عادت مرة أخرى وما أشبه الليل بالبارحة.
جميلة هي الحياة!!
إلا أن ميشيل فوكو غرق في النزعة الفردية
المتطرفة والحرية التي تصل لحد الفوضى ولكننا نستطيع أن نقول انه عبر عن روح عصره فها
هي ما بعد الحداثة في أوجها ففوكو قد جعل الفلسفة جماهيرية,بل أن بعض الاساتذه يقولون
أن ما فعله ميشيل فوكو في الفلسفة يشبه ما فعله مايكل جاكسون في الغناء , لكنه لا يجيب
على التحديات العالمية الكبرى بل يعاملها بالامبالاه الجمالية.
تبدوا الاخلاق عند فوكو فن ابداع وجود خارجى
للذات وكأى فن هناك تقنيات يجب ان تنفذ وتقنيات منفذة بالفعل تتحكم وتدير ممارسة الذات
كى تبدوا كذات اخلاقية هذه التقنيات لممارسة الذات من اجل ان تحتل وجود خارجى فى العالم
تتأرجح بين الحتمية العقلية المفروضة على الذات كابستيمة للعصر وبين رغبة الذات فى
تبيان تفردها وفرض ما هو جديد منبت عنها واخراجه للعالم , هذا ملخص الجدل الحادث بين
الداخل والخارج ففى حين يملى الخارج على الذات تقنيات لجعل ممارستها اخلاقية مقبولة
تملى الذات على الخارج عبر تقنيات مضادة ما يشكل ما هو سيكون مقبولا فيما بعد ,يكشف
فوكو عن التقنيات التى تستخدمها الذات كى تبدوا كذات اخلاقية وعلى التقنيات التى تستخدمها
السلطة كى تضمن استخدام الذات لتلك التقنيات المفروضة عليها وعلى التقنيات التى تستخدمها
الذات فى مقاومة هذه السلطة المفروضة عليها. وتنطوى اى تقنية على فن ابداعى حقيقى فتبدوا
الذات كفنان وعمل فنى يستهدف الوصول لقيمه الجمالية الخاصة .
ويوضح فوكو كيف نجد فى الافكار الاخلاقية
للعصور القديمة اليونانية والرومانية اتجاه للمران الذاتى والتذهدية اكثر منه للقوننة
كما فى الاخلاق المسيحية التى كانت حركة قوننة قوية للتجربة الاخلاقية فالاشارات كانت
قليلة لمبدأ قانون يحدد السلوك الواجب اتباعه او سلطة مكلفة بالمراقبة والعقاب وانما
كانت تدعيم لسيادة الذات على نفسها بعدم الانجراف وراء الشهوات والملذات وتحريرها من
عبودية الاهواء من هنا فانحصار الممنوع كان واضحا فى الاخلاق الفلسفية القديمه كما
هو ظاهرة لعصرنا الحالى من هنا بدا التواصل والانقطاع بين الاخلاق الفلسفية القديمة
والاخلاق المسيحية والاخلاق المعاصرة
الأسلوب
الثالث إيجاد قيم جديدة
1
– مذهب الحوار وأخلاقيات العلم
كارل اوتو ابل يريد أن يكون الحوار بين
الجميع علمي بمعنى انه يحمل معقوليته في نفسه بعيدا عن التعصب والتطرف والقهر السلطوي
فليس الموضوع من أكون رئيس أم استاذ !! اى كان !
لكن الموضوع ماذا أقول؟ هل هو معقول أم غير معقول انه ينظم أخلاق للحوار العلمي
والتواصل الإنساني الفعال ويبشر بمجتمع المعرفة حيث يصبح كل الناس علماء قادرين على
تفعيل المعلومة في الواقع العملي قادرين على تحويل المعلومة إلى معرفة .
2
– مذهب الأخلاق التواصلية عند هابر ماس
هابر ماس مازال متمسكا كما قلنا بالتنوير
ومن ثم بالعقلانية لكنه يرى أن الفكر العقلاني القديم الذي سبب أزمة الحداثة كان تعبيرا
عن العقل الاداتى الذي هو مجرد أداة لتحقيق النجاح لكن المشكلة هو أن هناك عقل تواصلي
يسعى للفهم والتواصل مع الأخر فاذا كانت اللغة هي أداة الفهم فيجب إيجاد لغة عالمية
مشتركة ترجع أهمية الأخلاق التواصلية عند هابر ماس إلى إنها دعوة لتفهم الآخر وللحوار
البناء لتحقيق التنوير .
هذه هي المذاهب الأخلاقية المعاصرة التي
تشكل هي والأخلاق التطبيقية العملية ( نظم
التشغيل ) عصب الفكر الأخلاقي لمعاصر , وجل أهتمامنا فى هذه الدراسة هى الاخلاق بوصفها
علم جمال عند ميشيل فوكو . وهى ليس أكثر من قراءة فوكوية للاخلاق النيتشويه المرتكزة على مفهوم
القوة : " فالقوة عند فوكو كالقوة عند
نيتشه لا تختزل فى علاقة عنف ", وعلى مفهوم علاقة الحياة بالخلق والابداع كما
بدا عند نيتشه .
(*) ربما يهاجم الباحث من كونه لم يعتمد على الأصل
الفرنسى او الترجمة الانجليزية وهنا نقول ان هذه الدراسة تتناول قراءة جديدة فى العربية
لميشيل فوكو كما بدا خلال ترجمته العربية وليست دراسة فرنكوفونية تتناول الفيلسوف الفرنسى
كفرنسى . كما تهاجم ترجمة مطاع صفدى بانها لبنانية اللغة وهذا لا نمانع فيه فالخطأ
اللغوى اذا كان شائعا سقط عنه الخطأ ولغة صفدى شائعة فى الدراسات الفوكوية العربية
.
(*) ربما تكون السلطة التى يحدثنا عليها فوكو غير ملحوظة
من حيث هى سلطة تدخل الذات ببساطة من ابواب معرفتها وتوهم الذات انها من الدخل وهى
مفروضة عليها فرضا من الخارج .
(1)
راجع مطاع صفدى : أتيكا فن الوجود مقدمة تاريخ الجنسانية . ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية
ج1 " ارادة المعرفة " , ترجمة مطاع صفدى وجورج أبى صالح , مركز الانماء القومى
, بيروت , 1990 .ص 5 .
(2)
يجب الاخذ فى الاعتبار ان الكتابات المتأخرة لاى فيلسوف تعبر عن نضوج تجربته الفلسفية
، و حقيقة افكاره التى سيتركها للعالم من بعده
دون مراجعة ، وسنكتشف بعد نهاية دراستنا ان قضية " الذات وحريتها وميلادها كفاعل
حر له دوره فى صناعة الاحداث " هى القضية الاولى التى شغلت ميشيل فوكو وكونت رحلته
الفلسفية وصاغت رؤيته الفلسفية وطبعتها ككل . وان كان أدراك ذلك الامر ، ياتى متأخرا
مع اكتمال اعماله ، حيث تتراكم الانزياحات والتطورات الفوكوية لتصل الى منتهى رؤيته
الفلسفية عند الذات .
(3)
راجع فى ذلك جاكلين روس : الفكر الاخلاقى المعاصر
, ترجمة عادل العوا , عويدات للنشر والطباعة , بيروت 2001 . نقلا عن د . أحمد عبد الحليم
عطية :الفكر الأخلاقى الجديد ودراسات أخرى
, دار الثقافة العربية , القاهرة 2007 ." الفصل السادس : الاخلاق فى عصر ما بعد
الحداثة" ص 215 .
(4)
يعتبر ميشيل فوكو نفسه ان كتابه " تاريخ الجنسانية " كتابا فى الاخلاق وهذا
ما يتضح فى أحد الحوارات فى رده على سؤال حيث
يوضح ميشيل فوكو ان هدف كتاب تاريخ الجنسانية " مس أنماط تكون الذات الاخلاقية
" ص 78 ويقول فى موضع أخر من نفس الحوار " انا أدرس كيف يصبح النشاط الجنسى
" مشكلة أخلاقية " وذلك عبر تقنيات
الذات التى تسمح بضمان التحكم فى اللذات والرغبات " ص 79 ,
ميشيل فوكو يحاوره دريفوس ورابينوف : " بصدد نسابة فلسفة الاخلاق " ترجمة
محمد بولعيش , مجلة بيت الحكمة (مجلة مغربية
للترجمة فى العلوم الانسانية ) العدد الاول
, ابريل 1986. ص 120 -125.
(5)
ميشيل فوكو : تاريخ الجنون فى العصر الكلاسيكى , ترجمة سعيد بنكراد , المركز الثقافى
العربى , الدار البضاء / بيروت , ط1, 2006 . ظهر لأول مرة عن الفرنسية عام 1961 وظهرمن
نفس الدار التى تصدر كتب سارتر 1972وهو اشهر مؤلفات ميشيل فوكو على الاطلاق .
Foucault,
Michel: Histoire de la folie à l'âge
classique , plon ,1961 (Reed. Gallimard, 1972).(franch) / Foucault, Michel.
Madness and Civilization: A History of Insanity in the Age of Reason Translated
by Richard Howard. New York: Pantheon, 1965. (English transation)
(6)
هاشم صالح : فيلسوف القاعة الثامنة , مجلة الكرمل ( مجلة الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطنيين ) , العدد 13 ,ص 9 – 50 , 1984هامش ص 47 .
(7)
نورة بوحناش فوكو ومأزق الأركيولوجيا في أفق
المعيارية
(8)
المرجع نفسه
(9)
فوكو : إرادة المعرفة ،مصدر سابق ،ص .141نقلا عن نورة بوحناش: فوكو ومأزق الأركيولوجيا
في أفق المعيارية ، مرجع سابق .
(10)
فوكو : إرادة المعرفة ،مصدر سابق ، ص .118 . نقلا عن نورة بوحناش: فوكو ومأزق الأركيولوجيا
في أفق المعيارية ، مرجع سابق .
(11)
ادريس هوارى : الأخلاق وتاريخ الحمق مقال منشور
الكترونيا على موقع http://membres.multimania.fr/abedjabri/n55_01.htm
(12)
تعريف علماء اللغة أصحاب المنهج التاريخي الثقافي
(13)
تعريف علماء اللغة أصحاب المنهج الوصفى
(14)
يذكر فوكو فى بداية الجزء الثانى لكتاب
" استعمال اللذات " فى مقطع بعنوان " الاخلاق والمران الذاتى"
فصلا بين مستويان من الفكر الاخلاقى ، ويذكر
الأخلاق الموجهة نحو القانون .
(15)
اقصد بالعروض والتحليلات الغير تقليدية لفلسفة الاخلاق عند نيتشه تحليل د/ أحمد عبد
الحليم عطية:الفكر الأخلاقى الجديد ودراسات أخرى , دار الثقافة العربية , القاهرة
2007 . ص 153 .
(16)
المرجع نفسه ,ص153
(17)
) ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية : الجزء الاول : ارادة المعرفة , ترجمة جورج ابى صالح,
ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدى, مشروع مطاع
صفدى للينابيع – مركز الانماء القومى, بيروت , 1990 . اتيقا فن الوجود ,ص5 .
(18)
ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية : الجزء الاول : ارادة المعرفة , ترجمة جورج ابى صالح,
ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدى, مشروع مطاع
صفدى للينابيع – مركز الانماء القومى, بيروت , 1990 . اتيقا فن الوجود ,ص5 .
(19)
أحمد عبد الحليم عطية:الفكر الأخلاقى الجديد ودراسات أخرى , مرجع سابق ص145
(20)
المرجع السابق ، ص 176
(21)
المرجع السابق ، ص 176
(22)
المرجع السابق ،ص 177
(23)
المرجع السابق ،ص178 .
(24)
المرجع السابق ، ص 179
(25)
المرجع السابق ، ص 173 .
(26)
الموضع نفسه .
(27)
المرجع السابق ، ص 174 .
(28)
بليمان عبد القادر :الأخلاق المعاصرة وصراع المرجعيات بين الكانطيين الجدد والأرسطيين
الجدد
(29)
بليمان عبد القادر :الأخلاق المعاصرة وصراع المرجعيات بين الكانطيين الجدد والأرسطيين
الجدد
(30)
بليمان عبد القادر :الأخلاق المعاصرة وصراع المرجعيات بين الكانطيين الجدد والأرسطيين
الجدد
(31)
المرجع السابق .
(32)
أحمد عبد الحليم عطية:الفكر الأخلاقى الجديد ودراسات أخرى , مرجع سابق ص 183
(33)
المرجع السابق ،ص
(34)
المرجع السابق ، ص 181 .
(35)
المرجع السابق ، ص 182 .
(36)
المرجع السابق ، ص 182
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق