الأحد، 26 ديسمبر 2021

جدل الفرد والدولة عند هيجل

 

جدل الفرد والدولة عند هيجل


بقلم : احمد حمدى حسن حافظ

           هناك فلسفات يغلب عليها الطابع الاشتراكى حيث تعلى من مصلحة وإرادة الدولة فى مقابل مصلحة وإرادة أفرادها , وهناك فلسفات ذات طابع ليبرالى يعلى من مصلحة وإرادة الأفراد على حساب الدولة , والسؤال الذى نطرحه هو أين تقع فلسفة هيجل من هذه الفلسفات او تلك ؟               

          واذا كانت الفرضية الأولى فى الفلسفة هى أن " الكون كل قابل للفهم " كما أعلنها طاليس, فان هيجل هو فيلسوف ذلك الكل , الذى استطاع تحقيق تلك الفرضية من خلال نسق فلسفى متين وثرى ادعى فهم الكون ككل , معتمدا على منهج جدلى , وعبر توجه مثالى رأى من الروح او العقل جوهرا للوجود , وصاحبنا فى رحلة الوعى الانسانى منذ كان يقينا حسيا ساذجا الى ان أصبح روحا مطلقا , فكان لابد لفيلسوف مثل هيجل ان يعطى الدولة كمعبرا عن الكل السياسى مكانه بارزة وهامة فهو رأى الدولة تعبيرا عن الحقيقة الكلية العليا المطلقة وتعبيرا عن العقل او الروح وقد أصبح موضوعيا , ولكن المفارقة فى أن ذلك لم ياتى فى فلسفة هيجل على حساب الفرد مصلحته وإرادته بل على العكس تماما كانت صورة الفرد عند هيجل بمثابة صيغة مكملة للصورة التى قدمتها الحداثة الغربية للفرد عموما والتى تعلى من شأنه الى أقصى حد  حيث تجعله  كائنا اجتماعيا تاريخيا بمعنى انه غير منفصل عن المجتمع ومن ثم يحرك التاريخ بإرادته والسؤال المطروح الآن هو كيف استطاع هيجل أن يوفق بين مصلحة وإرادة الفرد ومصلحة وإرادة الدولة بكل سهولة ويسر ؟

              وللاجابة على هذا السؤال ينبغى ان نعرف ان الانا عند هيجل تدرك وتعى نفسها من خلال النحن , اى ان الذات الفردية عند هيجل لا تعى نفسها مطلقا الا من خلال كونها منتمية الى ذات كلية هى المجتمع او الدولة , فعندما نقول انسان فنحن نعنى الإنسان كفرد والإنسان كجنس فى آن واحد ؛ لان الإنسان يتميز عن سائر الكائنات فى انه كفرد - ورغم استقلاله - يعى نفسه من خلال الجنس ككل , فيستجيب للماهية الإنسانية فى طبيعته , ولذا نفرق  بين التجمع الحيوانى و المجتمع الانسانى  فى ان المجتمع الانسانى وحدة روحية تحركها أهداف وأحلام والآم مشتركة نابعة من إدراك انسانى بمفاهيم كلية يسعى الجنس الانسانى ككل لتحقيقها , تمثل قيما ومثلا عليا كالعدالة والرخاء والحرية  , فى حين ان التجمع الحيوانى تجمع غير واعى بأهدافه كمجموع ولا يحركه أهداف وأحلام مشتركة نابعة من مفاهيم كلية لان طبيعة الحيوان انه لا يدرك ذاته ككل كنوع ولا يدرك  مفاهيم كلية أخرى ليسعى لتحقيقها فلا يساهم الحيوان فى صنع واقعة وليس له تاريخ لان طبيعة إدراكه مختلفة عن الإدراك الانسانى الذى يرقى لكونه وعيا شاملا عند هيجل .

    فاذا كانت عبادة الدولة عند هيجل نابعة من تغليب الارادة الكلية عن الارادة الفردية فانها تصبح فى حد ذاتها وبالاسلوب الهيجلى انتصار لارادة الفرد .  فهل هيجل ليبرالى ام اشتراكى ؟ تلك هى الاشكالية .


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

" تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man and Biosphere

  ·       من الأمتحان والإختبار والتقييم إلى التقويم الذى يشارك فيه الطالب والاستاذ " تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man a...