الأحد، 26 ديسمبر 2021

دور الفرد فى صناعة التاريخ فى إطار علاقة التاريخ بالسياسة عند أفلاطون

 

دور الفرد فى صناعة التاريخ فى إطار علاقة التاريخ بالسياسة

عند أفلاطون



بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ

تصدير

          " المعرفة تذكر والجهل نسيان " , هكذا تكلم أفلاطون , وفعل التذكر يعنى حضور التاريخ أو الماضي  فى الوعي الانسانى , ومن ثم استخدام هذا الحضور فى إدراك الحاضر , فيتم إدراك الحاضر عند الإنسان من خلال الماضي الكامن فى وعيه .. هذا باختصار شديد هو لب الوعى التاريخى عند أفلاطون .

           شيئا ما جعلنى أتصور التاريخ هو الأحداث التى حدثت فى الماضي فاكترث بها الوعى ؛ لانها خبرة مرت به , فأصبحت تحدد الإطار الذى يدرك من خلاله الواقع ويتعامل معه  , هذه الأحداث هى الأحداث التى يصنعها او صنعها او سيصنعها الإنسان مادمنا فى مجال التاريخ الانسانى , ولكن هل الإنسان الفرد على وجه الخصوص هو الذى يصنع هذه الأحداث ؟ ينبئنا التاريخ أن أهم القررات التى اتخذت فيه لم تكن تعبر عن إرادة أفراد الشعب بقدر ما كانت تعبر عن إرادة أفراد السلطة , لم يكن الفرد حاضرا فعالا فى التاريخ؟  فهل سيظل ذلك فى المستقبل ؟ قد أكون مخطئا كليا ويكون الفرد قد حضر بالفعل فى التاريخ , لا أدرى  , ولكن المشكلة تكمن فى ان فكرى تحول بمناسبة التاريخ الى السياسة والى دور الفرد على وجه الخصوص .

            من هنا سأعترف بانه : فى واقع الامر  لا يهدف هذا البحث لعرض فكر أفلاطون عن التاريخ , وان كان يتعرض له , بقدر ما يهدف لتبيان وتوضيح صورة الفرد عند افلاطون و ذلك لاننى , وكما تبين , دخلت فى جدل شديد واشتباك مع الهدف الاسمى  لذلك المقرر علينا هذا العام فى مصادر الفلسفة اليونانية الا وهو بناء الوعى التاريخى الذى يدفع الفرد للمشاركة الايجابية فى صنع المستقبل من خلال التعرف على الفكر التاريخي عند اليونانين وكان مرد هذا الجدل هو ذلك السؤال هل للفرد دور ايجابيا فعالا فى صناعة الحاضر أصلا ؟  وهل يصلح ان يكون للفرد مثل هذا الدور الفاعل الايجابي ؟ فانتقلت على الفور توجهات عقلى من التاريخ الى السياسة .

فكان الإطار السياسى مفروضا على هذا البحث ولكن على وجه الخصوص تلك السياسة حينما تتعلق بحركة التاريخ,  اى ان الإطار الحقيقى لهذا البحث هو علاقة التاريخ بالسياسة من خلال تناول دور الفرد التاريخى كأطروحة أساسية فى الفكر السياسى .

مـقـدمـة

                  عندما كانت الانا تدرك وتعى نفسها من خلال النحن , اى عندما كانت الذات الفردية تعى نفسها من خلال ذات كلية منتمية لها هى المجتمع الانسانى  ,كان الفرد صانعا للتاريخ . ففى هذه الحالة عندما كنا نقول إنسان فنحن نعنى الإنسان كفرد والإنسان كجنس فى آن واحد ؛ لان الإنسان يتميز عن سائر الكائنات فى انه كفرد - ورغم استقلاله - يعى نفسه من خلال الجنس ككل , فيستجيب للماهية الإنسانية فى طبيعته , ولذا نفرق  بين التجمع الحيوانى و المجتمع الانسانى  فى ان المجتمع الانسانى وحدة روحية تحركها أهداف وأحلام والآم مشتركة نابعة من إدراك انسانى بمفاهيم كلية يسعى الجنس الانسانى ككل لتحقيقها , تمثل قيما ومثلا عليا كالعدالة والرخاء والحرية  , فى حين ان التجمع الحيوانى تجمع غير واعى بأهدافه كمجموع ولا يحركه أهداف وأحلام مشتركة نابعة من مفاهيم كلية لان طبيعة الحيوان انه لا يدرك ذاته ككل كنوع ولا يدرك  مفاهيم كلية أخرى ليسعى لتحقيقها فلا يساهم الحيوان فى صنع واقعة وليس له تاريخ لان طبيعة إدراكه مختلفة عن الإدراك الانسانى الذى يرقى لكونه وعيا شاملا  .

                هذا كان فيما مضى أما الآن فى ظل تضخم الكتلة الحيوية التى كانت تسمى - فيما قبل - إنسانية او بعبارة أخرى فى إنسانية التسعة مليار نسمة   ( عدد سكان العالم عام 2015 ) يتراجع دور الفرد بشكل ملحوظ ليختزل فى كونه كائن ( او شيئا ) مستهلك ساعيا وراء اكبر قدر من اللذة الذاتية والإشباع المادي فى آتون سوق عالمى راسمالى لا يرحم حيث يسود قانون المصلحة واللذة والمادة وتتراجع المثل العليا و القيم والأحلام الإنسانية المشتركة فالذات فى ما بعد الحداثة - عصرنا هذا  - ذاتا نرجسية لذية [1]منغلقة على نفسها لا تعى نفسها من خلال النحن الكلية الذى هو المجتمع أو الإنسانية , فلا تفكر سوى فى المصلحة الذاتية حتى لو اودت تلك المصلحة بمصلحة المجتمع  ككل ,لان الذات هنا لا تعى نفسها الا كذات متوحدة وليس من خلال كل ولذا فهى ليس ذاتا فاعلة  ومن ثم ليس ذاتا  تاريخية.

                تلك الصورة الكابوسية للفرد الانسانى فى واقعنا المعاصر هى ما دفعتنا لمحاولة إحياء مفهوم مميز للفرد  تميزت به الحداثة الغربية يكسب الفرد دورا فى صناعة و تشكيل الواقع ويجعل منه كيانا ايجابيا فاعلا ومحرك أول و اساسى  للتاريخ . " ان الحداثة تتأسس على الحضور الدينامى والفاعل للذات فى العالم "[2]

              فتقوم هذه الدراسة على اختبار مدى تحقق رؤية ما للفرد الانسانى عند أفلاطون , هذه الرؤية هى رؤية الحداثة الغربية للفرد والمتأسسة على مفهوم ميلاد الفرد و التى ترى ان الفرد الانسانى هو المحرك الاساسى للتاريخ , وبصيغة اخرى نحن نقوم بالكشف عن احد اهم عناصر الحداثة الغربية داخل فكر العصر اليونانى حيث تدعى الحداثة الغربية ان اصولها الاولى كامنة فى التراث الاغريقى القديم بل يذهب البعض الى القول بان العصر الذهبى لاثينا يعد نموذجا متميزا حقق فيه الانسان الغربى الحداثة كاملة ولاسيما فى المجالين الفكرى والسياسى وان على كل من يريد الحداثة عليه ان يحاكى ذلك النموذج . واختيارنا لافلاطون نظرا لان افلاطون فيلسوف الحدس المبهم  والغموض حيث اختار لفلسفته قالب ادبى مثالى تأملى يسمح لنا بحرية كبيرة فى الحركة لانه قابل للتأويل باكثر  من شكل متنوع  فهو وان كان امتداد اكثر ثراء وامتلاء لسقراط وتجربته الفلسفية الملهمة فانه عكس ارسطو صاحب المنطق والحدود واكثر عمقا وغموضا من الهلنستيون والسابقون على سقراط

           ان يكون الفرد الانسانى فاعلا وحرا ومستقلا , مواطن كجزء من الدولة وليس رعيه من رعايا احد , حر فى فكره  لا يمارس عليه اى تسلط من اى مؤسسة كانت , مشكلا لفعله , مريدا لاختياراته , هنا يكون للفرد حضورا دينامى وفاعل فى المجتمع ومن ثم التاريخ ويصبح كائنا تاريخيا .  هذا ما نختبره عند أفلاطون . وما نقصده بميلاد الفرد .

الفصل الاول

صورة الفرد فى الحداثة الغربية

(المثال)

           الحداثة هى حركة فكرية أوربية النشأة وان كانت بعد ذلك اتخذت انتشارا عالميا وهى بدأت كإرهاصات فى عصر النهضة الاوربى , و لكنها ميزت أكثر عصر التنوير الذى كان مطبوعا بطابعها مغمورا بافكارها , ثم وقعت الحداثة فى أزمات داخلية خاصة بمبادئها الفكرية فولد ذلك ردود فعل أما نكوصية إلى ما قبل الحداثة , وأما مقاطعة وهجرة مبادئ هذه الحداثة كما يتمثل فى فكر ما بعد الحداثة المعاصر .

           ما يهمنا الان هو ان نتحدث عن مبادئ هذه الحركة وهى مبادئ متعددة كالمناداة  بحرية الفكر والعقيدة , وفصل الدين عن الدولة ,    والديمقراطية , واحترام وتقديس العلم الى غير ذلك من الأفكار المشهورة والذائعة لكن يمكن رد كل هذه المبادئ لمبدئين محوريين مركزيين هما العقلانية وميلاد الفرد .

          و العقلانية تعنى الوثوق فى إمكانية وصول العقل للمعرفة , وتأسيس الأخلاق والسياسة على مبادئ العقل , وتعنى أيضا العقلانية أن هناك علاقة ضرورية بين الأسباب والنتائج , فكان العقلانية كانت بمثابة تنصيب العقل محل سلطة الدين و الوحى فى العصور الوسطى . ونود ان نقول فى هذا الصدد ان العقلانية كانت اكثر المبادئ اهتزاز وتأزما فى الحداثة وجابهت من المشاكل ما جعلها تتراجع كقيمة عليا فى عصر ما بعد الحداثة , ولا أود الخوض فى تفاصيل العقلانية لأنها لا تهمنا فى هذه الورقة.

ميلاد الفرد

            فى البداية أود أن انوه إلى أن هناك فرق بين أن نقول بالفردية ونقول بميلاد الفرد , وهذا لا يعنى انه ليس هناك ثمة علاقة بينهم , ولكن يعنى أن ميلاد الفرد أدق من حيث التعبير , من الفردية التى توحى وتولد صورا خاصة بالتوحد الفردى وانغلاق الذات على نفسها والنرجسية والانانية . لكن ميلاد الفرد تعنى ظهور فكر يتبنى دورا مميزا للفرد فى المجتمع  ومن ثم فى حركة التاريخ .

  " التحديث السياسى والفكرى ... تأسستا على ميلاد الفرد (ذكرا كان ام انثى ) المتمايز عن محيطه الحيوى , والذى يمتلك عقله وجسده وحريته دون اى ضغوط خارجيه اجتماعية كانت او سياسية . وتأكد ميلاد الفرد هو محرك الحداثة عبر مسيرتها الطويلة التى استمرت ثلاث قرون ولم تتوقف , حيث استطاع هذا الميلاد إنجاز دعائم الحداثة الأساسية وهى الديمقراطية وحرية الفكر : بمعنى احترام المواطن الحر فى حياته الخاصة بفصلها عن الحياة العامة واحترامه فى أفكاره ومعتقداته وخياله وسلوكه العاطفى , مساوية إياه أمام القانون ,فأصبح له نفس الحقوق للمواطنين الآخرين وعليه نفس الواجبات ,فحول من مجرد رعيه ملتصقة عضويا بالطائفة والحرفة , دون اى حق فى التمايز والخروج عنها الى مواطن حياته هى حقا وجوده يسعى لبنأءه وتأكيده بنفسه " [3]

" وواصل دعاة التحديث فى الغرب مهمتهم الصعبة حيث نجحوا فى أعقاب الثورة الفرنسية وعملية التصنيع فى انجلترا فى أن يتحدد الإنسان بما يفعله وان تصبح حقوقه اجتماعية وبعد ان كان الفرد مستقلا عن المجتمع نجد انه قد اختفى الفصل بين الذات والمجتمع وأصبح الإنسان كائنا اجتماعيا وتاريخيا "[4]

فالحداثة ترى ان الفرد الانسانى يتميز بكونه مستقلا عن كل ما يحيط به من كيانات وفى هذا الاستقلال حماية لخصوصيته وملكيته فهو له حقوق وواجبات يعرف من خلالها كونه مواطن وليس رعيه فى ملكية احد ,  كما يتميز بالحرية فالفرد فى تصور ميلاد الفرد الخاص بالحداثة حرا لا وصاية عليه من اى احد او من اى مؤسسة ولذا فهو مسئول مسئولية مطلقة عن كل ما يصدر عنه او منه , ولكن اهم ما فى ميلاد الفرد كمفهود ليس الاستقلال او الحرية فهم من ضرورات كون الفرد فاعلا , ولكن كون الفرد فاعلا اى مؤثرا بفعله المتميز المعبر عن اختياراته وقراراته مؤثرا فى المجتمع صانعا للتاريخ  , هو اهم ما يميز مفهوم ميلاد الفرد الذى يحكم صورة الفرد فى الحداثة ودورة  فى صناعة التاريخ 

" فى رحلة البحث عن الحلول المناسبة لمصدر قلق الانا ,  يحمل ذلك على   الفعل , ومن ثم يدفع الانا الى ان تتحسس مقومات هذا الفعل , التى تأسس على شعورها فى نفس الوقت بالفردية والشخصية وبالتالى كونها فاعل , وكانها لحظة تأمل ثالثة تكتشف فيها الانا ضرورة الحاجة الى فرض اناها وتصورتها او تغيير واقعها وانساقه المختلفة وذلك لتستطيع مواجهة مشاكلها الخاصة "[5] 

" الفرد لا يصبح عين ما هو فى ذاته إلا من خلال الفعل , التاريخ البشرى نتاج لنشاط البشر انفسهم " هكذا يقول هيجل [6] معبرا عن الفرد الحداثى .

صورة الفرد عند أفلاطون

( الواقع )

        يرى د فؤاد زكريا أن فلسفة أفلاطون الاجتماعية كانت ضد الفردية وكانت دعوة " لتلاشى الفرد فى الكل الأكبر الذي يكون المجتمع الكامل " [7]

        فى حين يرى استأذنا الدكتور مصطفى النشار أن فلسفة أفلاطون الاجتماعية وازنت بين دور الفرد ودور المجتمع [8] , ومن جهتى أرى أن المقصود بالدور هنا (عند الدكتور مصطفى النشار ) هو المصلحة فمصلحة الفرد يكفلها له المجتمع ومصلحة المجتمع يكفلها أفراده – عند افلاطون - .لكن العلاقة بين الفرد والمجتمع لم تكن أبدا علاقة تبادل مصالح ولم يكن للمجتمع أصلا كمفهوم اى دور – بهذا المعنى -  ! وربما يكون فهم الدور من خلال المصلحة أتى من النظريات التى يمدنا بها الفكر السياسى  كالاشتراكية التى تضع مصلحة المجتمع قبل مصلحة الفرد والراسمالية التى تضع مصلحة الفرد قبل مصلحة المجتمع واولى منها . وهنا يصح لنا ان نلاحظ ما لاحظه أستاذنا من موازنه عند افلاطون رغم إنها تميل أكثر لمصلحة المجتمع ولكن بشكل متوازن الى حد ما .

          أما الدور فشيء آخر خاص بالفاعلية و الأثر وهو لا يصح الا للفرد , وان كان المجتمع يمارس فاعلية واثر على الفرد ايضا , لكن  العلاقة بين الفرد والمجتمع هى علاقة أجزاء بكل محتوى لهذه الأجزاء  ليس لهذا الكل دورا ملموسا يلعبه مع الجزء سوى الاحتواء , احتواء كل ما هو مشترك بين الأفراد مع الاحتفاظ بقدر من التفرد لكل جزء من أجزاء المجتمع اى استقلال الفرد , وعلاقة الفرد بالمجتمع علاقة جدلية مركبة تتميز بالتطور فما هو مشترك بين الافراد تختلف مساحته فتزداد وتقل مع الأيام ويدخل الأفراد فى جدل فيما بينهم يكون مركب هذا الجدل ونتيجته هى المجتمع  ولذا فان مفهوم المجتمع ديناميكيا حركيا متغيرا بفعل جدل الأفراد فيما بينهم وما يصنعه من مساحات مشتركه فيما بينهم  لكن افلاطون لم يقدم هذه الصورة للمجتمع بل قدم مجتمعا استاتيكيا جامدا تم فيه الاتفاق على مساحة , محددة سلفا من قبل الفيلسوف , من المشترك تحددها حاجات الفرد ووظيفته , والطبيعة ديناميكية تفنى اى نظام استاتيكى بداخلها فلابد للفرد من حركية وجدل بينه وبين المجتمع يؤمن استمرار المجتمع ذاته اى لابد للفرد ان يتفرد عن غيره من الافراد ويدخل فى جدل معهم يكون لصالح المجتمع ككل اى لابد للفرد من فاعلية واثر وهذا ما اسميناه ميلاد الفرد فيما سبق .

         ويقول د/ مصطفى ايضا عن افلاطون انه يرى ان الفرد والمجتمع لا ينفصلان وكل منهما ضرورى للاخر  ونقر هذا القول ولكن ليس الضرورة وحدها ما يميز المجتمع الانسانى فليس التكامل الوظيفى عند افلاطون هو ما يحدد علاقة الفرد بالمجتمع فهذا التكامل موجود فى تجمع حيوانى مثل مملكة النحل ولكن ما يميز المجتمع الانسانى بحق هو انه مركب من جدل عناصر فاعلة هى الأفراد  .

           بدا المجتمع المثالى عند افلاطون محض ظاهرة تكامل وظيفى وظهرت عنده صورة متواضعة مختزله للفرد او للفعل الانسانى الفردى فى حدود الوظيفة التى ترسمها الطبيعة له فكان مجتمع افلاطون استاتيكيا جامدا يفتقد اليات تطوره الداخلى من افراده ولذا لا عجب فى ان يكون محرك التاريخ عند افلاطون هو الارادة الالهية عبر قوانين سماوية تحدد شروط للتكون او التحلل وفق الوضع الاخلاقى للافراد فى دورات تاريخية [9].

لم يكن الامر كله كذلك فهناك عدة أفكار أساسية عن الفرد لدى أفلاطون قد نكتشف من خلالها صورة افضل للفرد ككيان فاعل ومحرك للتاريخ .

1 – ان خلود النفس عند أفلاطون يجعل من الفرد كيانا خالدا فمن ثم يكتسب الفرد ومواقفه ( فعله ) قيمة ومعنى متعاليين عن كل ما هو متغير يصير عليه قانون الفساد والتحلل وفى هذا نرى اعلاء لقيمة الفردية الانسانية والفعل الفردى على وجه الخصوص لانه خالد

2 – أن موقف سقراط فى رفضه للهروب من حكم الإعدام كما يبينه أفلاطون فى محاورة اقريطون يدل دلالة واضحة على ان سقراط كفرد نموذجى كان يعى ذاته من خلال الدولة وقوانينها ولنا ان نقتطف أجزاء من المحاورة لنحللها ونعلق عليها  تدل على هذا الوعى الفردى المشتبك بالادراك المجتمعى فى رؤية مغايره للتكامل الوظيفى  .

يقول سقراط لنفسه " ولكنك كنت تبدو , اكثر من سائر الاثينيين جميعا , شغوفا بالدولة او بعبارة اخرى ,بنا – اى بقوانينها (اذ من ذا الذى يحب دولة لا قوانين لها ) فلم تتزحزح عنها قط ولم يكن العمى , والعرج , والمقعدون , باكثر منك قبولا بها وهانت ذا الان تفر ناقضا ما قطعته من عهود " [10]

هنا نلاحظ شيئان أولا أن سقراط قد قطع عهدا ما مع الدولة هو احترام قانونها وهذا لا يكون الا اذا كان سقراط يعتبر نفسه جزءا من هذا القانون اى ان هذا القانون تعبيرا عن أرادته ذاتها وهذا يتضح اكثر اذ كان سقراط يعتبر نفسه ضحية الناس لا ضحية القوانين [11] ثانيا كلمة بنا ترى الدولة تعبيرا عن النحن او الذات الجماعية وقوانينها تعبيرا عن إرادة أفرادها

يقول سقراط لنفسه متخيلا الحكومة تسأله " ماذا انت فاعل ؟ اتريد بفعلة منك ان تهز كياننا اعنى القوانين والدولة بأسرها بمقدار ما هى فى شخصك ماثلة ؟ هل تتصور دولة ليس لاحكام قانونها قوة , ولا تجد من الافراد الا نبذا واطراحا , ان تقوم قائمتها فلا تندك من اساسها ؟" [12] نجد هنا فكر خاص بان الدولة والقوانين فى شخص سقراط ماثلة كفرد نموذجى من افراد الدولة كما نجد ان اساس الدولة هى ان تكون القوانين ماثلة فى كل شخص معبرة عن ارادته من خلال الارادة الجماعية

من كل هذا يتضح ان للفرد فاعلية كبرى عند سقراط فى تشكيل المجتمع الذى يتجسد دوله ويمارس سلطته من خلال قانون فيصبح الفرد هو المجتمع كله عند سقراط . هل خان افلاطون سقراط فيما بعد فى تلك النظرة ام انه كان استمرار لها فى شكل اكثر اصلاحية .

3 – ينكر أفلاطون على الفرد ان يقصر تفكيره فى مصلحته الذاتية فقط وذلك من خلال رفضه لاحد تعريفات العدالة فى محاورة الجمهورية وهو ان " العدالة تكمن فى تقديم الخير للأصدقاء وإلحاق الأذى بالأعداء " [13]

ويرى أفلاطون ذلك معيار غير موضوعي للعدالة

4 – عجز الفرد عن الاكتفاء بذاته عند افلاطون فكرة يبرر من خلالها الاجتماعية الانسانية و الاشتراكية عموما

فيقول الدولة " انما تنشأ من عجز الفرد عن الاكتفاء بذاته وحاجته الى اشياء لا حصر لها "[14]

الفرد فى حاجة للمجتمع لتلبية مختلف حاجاته المادية والمعنوية

5 – تحتل تربية الفرد عند افلاطون رؤية متميزة للفرد حيث يوجهنا أفلاطون الى " مراعاة حرية الأبناء وعدم القسوة عليهم " فتعليم الحر –كما يقول أفلاطون – ينبغى الا يتضمن شيئا من العبودية "[15]

6 – اختزال الفرد فى فكرة الوظيفة من خلال تعريف افلاطون للعدالة التى تحتل مكانة كبرى فى فكره الاجتماعى

العدالة فى الدولة تعنى ان يقوم كل فرد وكل طبقة بما عليها من وظيفة فى ضوء ما هى مؤهلة له

" قيام كل فرد بوظيفته على الوجه الاكمل "

" ان على كل فرد ان يؤدى وظيفة واحدة فى المجتمع هى تلك التى وهبته الطبيعة خير قدرة على ادائها وبدون ان يتدخل فى شئون غيره " [16]

تتكامل الوظائف فى توفير كل ما يطلبه اى فرد فى الدولة من حاجات

هذه الفكرة فى اطار socialism  اى الاشتراكية وهى ترجمة مضللة اذ يفضل جون ديوى ترجمتها بالاجتماعية التى تعنى فرض الفكر الاجتماعى ومصلحة المجتمع ككل على كل جزء من اجزائه اى على الفرد وليس باعتباره جزءا متمايزا مستقلا فافلاطون نظر للفرد على اساس انه جزء من كيان اكثر عمومية هو المجتمع ومن ثم اختزل الفرد فى مفهوم الوظيفة ونحن نأخذ ذلك على افلاطون فالفرد اكثر من كونه محددا بوظيفة هو كيان له وظائف متعددة فى المجتمع وله دور فعال فى كل انشطة المجتمع فهذا هو الفرد ككيان فعال

فافلاطون عامل المجتمع كفرد واحد ولم يعامل الفرد كمجتمع من الملكات والقدرات المختلفة المتمايزة فيما بينها اين الدور السياسى لطبقة التجار واين الدور الاقتصادى لطبقة الجند , انه اقصى الانسان الفرد فى دور واحد لا يتعدد وهذا ليس عدلا للفرد , رغم ان احتياجات الفرد هنا هى الغاية ولكن صورته مختزلة ومجتزئة عند افلاطون فالفرد غير مكتفيا بذاته فضلا عن انه عنصرا له وظيفة محددة حكمت بها الطبيعة عليه فهو من هذه الناحية مظلوم او مسجون فى حدود هذه الوظيفة يتكامل مع المجتمع دون ان يتكامل مع نفسه فيظل فى نفسه عناصر اكثر بروزا من عناصر اخرى

          يرى الأستاذ الدكتور مصطفى النشار ان الفلسفة اليونانية تأرجحت بين الذاتية و الاندماج و التفاعل مع المجتمع فتارة نجد الفيلسوف اليونانى يرى نفسه المؤهل الوحيد لقيادة الدولة او على الاقل لاصلاح الحياة الاجتماعية والسياسية بكاملها وتنظيم المدينة الدولة وهذا هو جوهر ميلاد الفرد ( هذه المرة الفيلسوف )  فى المجتمع وتارة اخرى نجد الفيلسوف اليونانى ينسحب من العالم الخارجى ليقيم مدينة اخرى على هامش المدينة الكبرى [17]وهو ما تميزت به الفترة الهلينستية على وجه الخصوص ونرى ان هذا لم يكن معبرا عن الموقف اليونانى الاصيل بل كان ناشئا لظروف اجتماعية وسياسية عبرت عن نفسها فى هذا النوع من الاغتراب .

ولذا نقول ان فلسفة افلاطون فى مجملها عبرت عن موقف ايجابى فاعل للفرد وان كان هذه المرة الفيلسوف كفرد انسانى متميز فى اصلاح الحياة الاجتماعية والسياسية .

 

خاتمة

           دور الفرد فى صناعة التاريخ بدا عند أفلاطون دورا محدودا مقصورا على طبقة واحدة من المجتمع هم طبقة الحكام الفلاسفة وكأن الفرد لابد ان يكون فيلسوفا تم اعدادة بطريقة معينه يوضحها فى أسلوب التربية عنده حتى يكون له دورا فعالا فى صنع أحداث التاريخ وأما الأفراد من باقى الطبقات فمحصورين فى وظائفهم المحددة التى تخدم مصلحة المجتمع ككل فى اطار اشتراكى اجتماعى يعظم من وجود المجتمع الاوحد فى مقابل افراده .

          وهذا يجعلنا نتسأل عن اى فرد نتكلم هل عن الفيلسوف ؟ من هنا تكون فلسفة افلاطون تمجيدا لدور الفرد فى صناعة التاريخ لكن نزعة افلاطون الارستقراطية ترفض ان يعامل كل الافراد فى الدولة كفلاسفة كما كان يفعل سقراط الذى كان يحافظ على ديمقراطية اثينا ومن هنا كان افلاطون يرى حركة المجتمع نابعة من الارادة الالهية اكثر من الارادة الانسانية الفردية ولا يفوته طبعا وهو فيلسوف الاخلاق بالالف والام ان يؤكد على ان الارادة الالهية تستجيب لالتزام الافراد بالاخلاق فى تحريكها للمجتمع .

            وهكذا ظلت الافلاطونية لا ترضى طموحى لتفعيل ذلك الفرد وتعظيم دوره فى المجتمع واعتباره ككيان تاريخى وهو ما اتحمس له فهل يعيدنا افلاطون الى صوت الحكمة والعقل البعيد عن الحماس ليقول ان الفرد لابد ان يكون مميزا فيلسوفا حتى يكون له دور فى صناعة التاريخ اما باقى الافراد فمحرومين من هذا الدور لا ادرى هل ساستجيب لهذه الفكره ام لا .

 [1]  د .احمد عبد الحليم عطية : ما بعد الحداثة والاختلاف , اصدارات اوراق فلسفية 3 , القاهرة , 2005 م ص 243 .

[2] د. مجدى عبد الحافظ : حول الحداثة فى مصر , ابحاث ومداخلات الندوة العلمية الدولية الاولى لقسم العلوم الاجتماعية بكلية التربية فرع كفر الشيخ جامعة طنطا ,من ص 179 الى 210 , مارس , 1998م  . ص 187 .

[3] المرجع السابق .ص 183 .

[4]  المرجع السابق ص 184 .

[5]  المرجع السابق ص 208

[6] د.زكريا ابراهيم : هيجل او المثالية المطلقة , مكتبة مصر , القاهرة , 1970 م .ص 300.

[7] د. فؤاد زكريا , الدراسة التى قدم بها لترجمته الجمهورية ,الهيئة المصرية العامة للكتاب , القاهرة 1985 م , ص113 .

 

[8] د . مصطفى النشار : من التاريخ الى فلسفة التاريخ قراءة فى الفكر التاريخى عند اليونان , دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع , القاهرة 1997 م ص92

[9]  المرجع السابق ص 87 .

[10]  افلاطون , المحاورات , ترجمة زكى نجيب محمود , مكتبة الاسرة 2001 ص  135.

[11] المرجع السابق ص   139

[12] المرجع السابق  132

[13]  افلاطون محاورة الجمهورية 331-332 فؤاد زكريا  ص 179 – 180

[14] المرجع السابق ص 227

[15] - د.  مصطفى النشار : تطور الفكر السياسى القديم من صولون حتى ابن خلدون , دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع , القاهرة ,1999م. ص 74

[16]  افلاطون محاورة الجمهورية 331-332 فؤاد زكريا  ص 191

[17] مصطفى النشار تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقى ج1 دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع 1998 ص 75و76

مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

" تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man and Biosphere

  ·       من الأمتحان والإختبار والتقييم إلى التقويم الذى يشارك فيه الطالب والاستاذ " تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man a...