" هواية النصح و التطبيب وخطورتها النفسية
على الانسان "
·
هواية النصح :
من الضرورة الإشارة إلى ما هو غير شائع عن خطورة
النصيحة أو التوجيه المستمر أو الإرشاد على
الصحة النفسية للإنسان ، وذلك من الناحية الصحية الطبية ، ويندرج تحت هذا الباب عن
خطورة النصيحة خطورة هواية التطبيب وممارسة الطب بغير رخصة كشكل من اشكال النصح
والارشاد فى الوضع الخاص بالمرض والحياة
والموت وهو وضع خطير وحساس .
وللتنبيه على خطورة النصيحة أهمية خاصة ففى
الوقت الذى يرى فيه مجموعة من الناس ذو
التوجه التقليدى أن التوجيه والإرشاد والنصيحة أشياء إيجابية ومطلوبة دائما فى كل
حال وكل وضع، وإنها تعزز مجموعة الأدوار الإجتماعية والقيام بها على أتم وجه أو تدخل ضمن المهام الوظيفية فى مهنة الادارة
الفعالة " التى يستحيل وجودهما دون
توجيه وأرشاد ؛ كدور الاب والأم ودور المعلم ودور المدير ودور الصديق ودور الزوج
أو الزوجة والعديد من الأدوار الاجتماعية الأخرى.
و يعتقدون انه ليس للنصيحة خطر إلا من حيث
محتواها ان يكون غير صائب أو مغلوط أو خاطئ أو غير موثوق فيه أو غير مجرب وغير
مضمون النتائج . أو اعتقاد آخر
بان خطر النصيحة يتعلق بانها ربما تنبع من مصدر له أهداف غير صادقة أومخلصة
يحاول التضليل والخداع و المكر وتحقيق مصلحة شخصية على حساب المنصوح .
بل يرى
البعض من اصحاب التوجه التقليدى أن النصيحة تعبر عن أهتمام وتقدير ومتابعة مطلوبة ،
ويعتبر من حقوق الناس علينا النصح والإرشاد المستمر. ذلك دون أدنى وعى أو إدراك
لما قد تسببه النصيحة من أذى وضرر نفسى وخطورة قصوى على الصحة النفسية والحالة
الصحية للشخصية المنصوحة.
هواية النصح والارشاد هى الهواية من بين هوايات
التى تلعب الدور الأكبر فى إحداث المرض النفسى كما يفيد الطب النفسى والعديد من
انواع الأمراض ، وضحايا هؤلاء المتسلطون ممن يتخذون النصح كهواية تملأ المصحات و
المستشفيات النفسية والعقلية بسبب ممارسة هواية أخطر من أى هواية آخرى وهى هواية النصح و
الارشاد حيث لا تحقق الا الضرر والايذاء النفسى والألم لصاحبها و للاخرين .
·
علانية النصيحة وسريتها :
فالنصيحة
فى العلن وأمام الناس فضيحة ، هكذا فى الاعتبار التقليدى ، اذ إنها تنوه على وتنبه إلى قصور او جهل ما او أتهام بعدم العلم والدراية
أو نقد اخلاقى أو دينى . فماذا يكون الوضع
اذا كانت تأتى لك أمام من يقتدى بك وليس من المفيد اطلاعهم على أخطاءنا ، ولذلك كان
من آداب النصيحة أن توجه سرا للشخص المنصوح وهذا أفضل ، الإ ان هذه ليست كل
المشكلة المتعلقة بالضرر الصحي والأذى النفسى الكبير من النصيحة .
·
النصيحة الغير مخلصة :
النصيحة الغير مخلصة أو الغير صادقة أوالمضللة ؛
التى لا تبغى مصلحة المنصوح بل تريد خداعه ، أو الغير موثوقه من حيث المصدر و لا
تعكس خبرة أو علم أو إلمام بمقتضى الحال ، وإنها تسبب ضررا عند تطبيقها أو الأخذ
بها . فاذا كانت النصيحة صادقة وموثوقه وعلى علم بمقتضى الحال لها أيضًا الكثير من الاضرار والعديد من المخاطر النفسية .
·
النصيحة والعلم بمقتضى الحال والظروف :
أو يظنون أننى اقصد أن النصيحة تكون عامة
ونظرية وتفتقد دراسة واقعية وإلمام بمقتضيات الحال والموقف الحياتى الدقيق الخاص
الذى يقع فيه طالب النصيحة بكل تفاصيله وابعادة المختلفة ، وكما يقول المصريون
" اللى ايده فى الميه مش زى اللى ايده فى النار" و يقول المنطوق الشعبى
أيضًا " اللى على البر عوام " ، ولا اقصد هذا أيضًا .
وكذلك لا أقصد عدم القبول النفسى أو النفور من الشخص
الناصح الذى يسبب بُعد تأثيره عن الأخذ بنصيحته .
·
السبب فى خطورة النصيحة ؟
إجابة
هذا السؤال تتطلب منا ان نضرب مثال من فن المسرح حيث يوجد فى المسرح شخص لا يظهر أمام الجمهور ويؤدى
دور له أهميته فى خدمة الممثلين المسرحين بل والعمل المسرحى ككل ، وهو الملقن حيث
يهمس بصوت غير مسموع الا للممثلين بجمل الحوار المسرحى ويذكرهم بها فى حال نسيانهم
اياها . فما هو الوضع أذا كان صوت الملقن
مسموع للجمهور ؟ يسمى هذا فى فن المسرح "هروب الدور" ، فالمشكلة ليست فى
جملة الحوار بل فى اداء الجملة الحوارية المحددة بالتعبير الفنى المطلوب للمؤدى أو
الممثل فى سياق العمل الفنى ككل بشكل تلقائى حر دون تدخل واضح .
واذا
كانت الدنيا ما هى إلا مسرح كبير وكلنا مؤديون فى مسرح الحياة فان الناصح هو الملقن والمنصوح هو من يهرب منه
الدور .
ونحن نعلم
أن حالة عدم ثقة الإنسان فى عقله وتفكيره وقدرته على حل مشكلاته واتخاذ القرارات
المناسبة له والأختيار بين البدائل ، حالة نفسية غير صحية ، وهى الحالة التى تجعل الانسان دائما فى حالة أقبال
على طلب استشارات ومشورة والتردد الدئم والحيرة والتفكير العميق قبل أى فعل ، وهذا
يعكس مشكلة نفسية وطبية وسلوكية أكبر بكثير من صحة أو خطأ أى فعل أوقرار يتخده
الانسان مهما كانت خطورته وانعكاساته .
فمجرد محاولة
إعتماد الانسان على عقل غير عقله - ليس بهدف الاسئناس بالمشورة والإثراء المعرفى
الجديد واضافة خبره على خبره وعلم على علم - وانما بهدف الخروج من الحيرة والقاء
الدور كاملا والمسئولية بالطبع على الناصح يعكس مشكلة نفسية عميقه ، واستسهال غير
مرغوب فيه لمن يسمع النصيحة.
وعلى
جانب آخر تعكس الرغبة فى التوجيه المباشر الدائم والكثير والارشاد المستمر والقاء التعليمات والايضاحات فى
كل التفاصيل كبيرة وصغيرة والنصح المستمر
والتقييم والحكم والنقد الدائم والمتابعة المكثفة نوعا خطيرا من التسلط السلبى والرغبة
المرضية فى السيطرة على الغير فى وجهة نظر الطب النفسى.
وتصنع لدينا النصيحة نوعين من البشر كما تخبرنا
مهنة الطب النفسى حالتهم الصحية النفسية غير سليمة : أولهما: المنساق والمستسلم الذى يسمع باستمرار
النصيحة ويصبح تابع مقود مسيطر عليه تماما ، عاجز عن الاعتماد على نفسه او تفكيره
المستقل فى اى فعل او سلوك او قرار ، وهنا تنمحى الشخصية وتصبح هشه نفسيا قابلة
للتكسير بسهولة و ذو طبيعة سلبية ، شخصية مدمره ومنكسره ومهزومه من الداخل ، وهذا
بالتحديد خطر النصيحة على الصحة النفسية والحالة الصحية الطبية فتمتلئ المصحات
العقلية والنفسية بضحايا من يسمع النصائح كما يخبرنا الطب النفسى .
وهنا
نسأل بماذا أفادت كثرة النصائح والتعليمات ؟ هل خرج سلوك المنصوح نموذجى مثالى ؟ أم
اننا جنينا عليه ودمرنا شخصيته ووعيه واستقلالة بدعوى اننا نعرفه الصح من الغلط
ونرشده ونقوم بدورنا التوجيهى الذى فى النهاية دمر شخصيته وجعله أحد أهم نزلاء
المصحات ؟ هل من إجابة شافية للسادة الخبراء الناصحين ؟ اعتقد لا إجابة ولا تعليق
.
والنوع الثانى من البشر الواقع تحت التسلط بالنصح
والتوجيه والارشاد : يتحول إلى التمرد والعند والثورة فيصتدم مع الناصح المتسلط
ويدخل فى صراع يحكمه العند والاصرار على الفعل ايا كان صواب أو خطأ . وكم من
القرارات الانسانية التى كان العند هو السبب الوحيد والرئيسى فيها ؟ وأدت إلى
الخراب والفساد والندم .
أن
المطلوب فى حالة إذا كان لك دور توجيه أو ارشاد أو تقديم استشارات القيام بالدور يكون
من خلال كونك متاحا عند الطلب بحدود ودون حد الإثراء والتشبع ، وتذكر عند الطلب فقط تعطى النصيحة و إذ حكمت
ضرورة وبحدود ، دون تدخل عنوة أو فى اى وقت مناسب أو غير مناسب والتطوع بإلقاء
النصح والإرشاد وفرد العضلات واستعراض المعلومات والخبرات وكأنك السيد الخبير ، فهل
تعلم أن دوافع السلوك الانسانى لا يحكمها العقل فقط ومعايير الصواب والخطأ وانما
هناك مجموعة دوافع متشابكة ومتداخلة من مشاعر وغرائز واهواء وعواطف وخبرات ايجابية
وسلبية وقدرة ومهارة على الفعل وتعود وتقليد وضرورة كما يخبرنا الطب النفسى ....الخ
.
تعريف هواية التطبيب كأمتداد لهواية النصح :
تندرج
هواية التطبيب وهى ممارسة مهنة التطبيب وتطبيب المريض تحت فكرة وعالم النصح والإرشاد كهواية اضافية من
ضمن هوايات تعكس الرغبة التسلطية ولكن المجال هنا حساس وخطير مجال تطبيب يتعلق بالصحة والمرض والحياة والموت فالمجال هو الطب والحياة الصحية للانسان وهى
أشياء الخسارة فيها لا تعوض .
و يعد
مصطلح " هواية التطبيب " من
المصطلحات الوصفية لوصف نشاط بعض الأشخاص فى ممارسة مهنة الطب و تطبيب المرضى بفعل
الهواية كهواية من ضمن هوايات أشبه بالعبث
و اللعب دون رخصة مزاولة (وهو مصطلح مستخدم فى دراسة وأبحاث التحليل والنقد
الثقافى للمجتمع) ويعبر عن أحد السلوكيات الشاذة والسلبية فى إطار ثقافة المجتمع فى العصر الحديث
وهى ممارسة مهنة الطب وتطبيب المرضى دون
رخصة .
لكن
مازال لظاهرة هواية التطبيب ومهنة التطبيب وجود فى بعض الثقافات المحلية محدودة النطاق
والشعبية و القديمة ، التى لا تعرف شيئا عن علوم الطب الغربى الحديث و الحياة
الصحية خصوصا فى المجتمعات المتخلفة عن الركب الحضارى العالمى التى تعانى الفقر
والجهل والمرض .
وهى تعنى
- أى هواية التطبيب – تجرئ شجاعة الانسان لممارسة وتطبيق مهنة
الطب والتطبيب والولوج لعالم الطب الخاص دون علم ودراية حقيقية ولكن تحت
ضغط هوايته فقط هواية التطبيب السلبية من بين كل الهوايات الايجابية ، رغم خطورة وحساسية هذه المهن الطبية وخصوصية
مهنة الطب يتم الولوج إلى علاج الناس من الأمراض عند وجود أى فرصة سانحة .
سواء بأفادتهم بالمشورة الطبية والوصفات
العلاجية والأدوية الكيميائية ، وطلب
الفحوصات والتحاليل والأشاعات التشخصية لابراز الحالة الصحية ، وقراءتها وتفسيرها دون
أدنى علم بدلالة الارقام ومؤشراتها ومغزها وكيفية تفسيرها فقراء التحاليل
والفحوصات مهنة وفن ، بل يصل الأمر للتدخل التطبيقى باجراء العمليات والجراحات كما
فى حالة "حلاق الصحة " أو الطبيب الحافى المتجول ( القيام بعمليات الختان و القيام بجراحات الطوارئ ) كل
ذلك على غير دراسة علمية طويلة حقيقية للطب الحديث ومبادئة أو ممارسة عملية
وتخصصية معترف بها فى الطب والعلوم الصحية ، أى غياب التأهيل الاكاديمى المعترف به كرخصة
لمزاولة المهن الطبية و خبرة الممارسة الحقيقية المعترف بها والمشهود لها فى مجال
المهن الطبى .
وإنما بمجرد إلمام ببعض المعلومات القاصرة وغير
الموثوقه وغير الكاملة وبدون اتباع لمنهج علمى معتبر أو نظرية ومدرسة علاجية فى
الطب محددة معترف بها .
وهى
بذلك – هواية التطبيب - تعبير عن ظاهرة
مرضية فى المجتمع لها ابعادها الخطيرة على صحة الأنسان فى المجتمعات التى تتميز
بانها تفتقد لوجود مؤسسات رعاية صحية و طبية حقيقية نظرا لنقص الامكانيات
الاقتصادية ، والمجتمع الذى يفتقد لوجود أدنى حد من الثقافة العلمية المؤمنة بالعلم
الحديث وقدرته على حل المشاكل وعلاج الامراض ، وعدم الايمان والتسليم بالمنهج العلمى وضرورة
استخدامه فى علاج الأمراض والتعامل معها ، بل و التشكيك المستمر في المنهج العلمى وثقافته
.
ويساعد
على زيادة هواية التطبيب وجود شواهد فشل
متكرر فى المؤسسات العلاجية الصحية الفقيرة إما لنقص الامكانيات و نقص المال
الكثير أو نقص الكوادر التى تمتلك الخبرة والتدريب الطبى عالى المستوى سواء من الاطباء أوالمساعدين ، و يؤدى نقص
الامكانيات والمال والخبرة العلمية لعجز
الاطباء والمؤسسات الصحية الرسمية عن تحقيق نجاح مع الجماهير فى خدمات الرعاية
الصحية فيكون الملجأ للناس الذهاب إلى من
يمارس هواية التطبيب وضياع الطب وتدهور الحالة الصحية .
والجدير
بالذكر فى هذا الاطار أن نتحدث عن عمل من الاعمال الادبية الروائية الشهيرة التى
تعرضت لموضوع هواية التطبيب والطب والحياة الصحية للمصريين كأيقونة ورمز على
التخلف وعدم رغبة المجتمع فى متابعة الوافد الثقافى الغربى وعدم الثقة فيه و رفض استبدال
الموروث الثقافى من أجل الوافد الغربى .
ذلك ما
عكسته رواية " قنديل ام هاشم " ليحى حقى ، وقد تراجعت بالفعل هواية التطبيب
فى مصر بعد الرواية مع الصعود التنموى والحضارى والتنويرى الحديث المتصاعد من
الخمسينات من القرن المنصرم الى الان وهى مدة طويلة ، فاختفت وتراجعت الى حد ما ظاهرة هواية التطبيب
بالشكل الفج الذى كان يجسده حلاق الصحة وسطوة العطار وأصبحت هذه هواية قاصرة على أشخاص
لديهم بعض الثقة المتناهية فى انفسهم وعلمهم
للفتوى فى الطب والأمور الصحية وتقديم النصيحة والمشورة على طبق من ذهب لمن
يريد او لا يريد بدون مقابل أو بمقابل بأخذ المال أو بدون أخذ المال كخدمة تطوعية لأذية الناس لإرضاء الهاوى هوايته هواية
التطبيب .
ومن يمارس
هواية كهواية التطبيب لا يدرك أن الطب مهنة تحتاج إلى دراسة طويلة و جمع كم رهيب من العلوم التطبيقية والبحته
فى آن واحد وفى اكثر من تخصص علمى معقد صعب على الفهم بالبداهة الاولية والادوات المنطقية
البسيطة ، فهو ليس علم الطب بل علوم الطب وهو ليس علم منطقى سلس يمكن التعبير عنه
وايضاحة لاى خلفية ثقافية أو علميه مهما كان تفوقها المعرفى ،وحتى إذا وصلنا
للكمال العلمى النظرى فى الطب فيتطلب الطب أيضًا ممارسة عملية وتطبيقية وخبرة واحتكاك
مع الجسد الانسانى عبر التعرض لأكثر عدد من الحالات والتعامل مع عدد مهول من
الاجساد المختلفة ، هذا ولا يقف العلم
والممارسة الطبية فهم فى عملية من الإثراء المستمر بالاطلاع على عدد كبير الدوريات
الطبية جديدة والاستماع لدعاية الادوية جديدة وحضور المؤتمرات والتدريبات
والمحاضرات للاساتذة الزائرين و جمع المعارف الجديدة .
عودة هواية التطبيب مرة اخرى فى عالم كورونا :
الا ان
عودة جديدة وعصرية جدا لممارسة نفس الهواية هواية التطبيب فى الوقت الذى أصبح الحصول فيه على المعلومة سهل وسريع من خلال
النت فى ظل موجه راهنة واسعة وممتدة على نطاق واسع لممارسة هواية التطبيب حيث اصبح زمن كورونا فرصة سانحة لهواية التطبيب على مستوى العالم كله وخصوصا بعد سقوط الثقة فى
العلم والطب الغربى الحديث والشك فى قدرته العلمية والعملية على تشخيص وعلاج
الامراض بفعل الفشل الطبى العلمى فى مواجهة فيروس كورونا وكذلك سقوط وانهيار
منظومة الخدمات و الرعاية الصحية الرسمية للدول حتى دول العالم الاول بفعل ضغط جائحة
كورونا ، وبدا العجز و الفشل فى مواجهة الوباء والسيطرة عليه فى هذا الوقت
بالتحديد تعود هواية التطبيب لممارسة فعلها والظهوربشكل أقوى من الأول .
هنا انطلقت مؤسسات الطب البديل الآخرى فى
كل انحاء العالم تروج لنفسها منتهزة أى فرصة سانحة لممارسة هواية التطبيب ولكن هذه
المرة فان ادواتهم قد تطورت وقدرتهم على الحصول على المعلومة السريعة قد ازدادت
بفعل تطور العالم الافتراضى . بل بدأ هواة التطبيب ينشئون مؤسسات للممارسة هوايتهم
و لتقديم استشارات وخدمية فى مجال الرعاية
والخدمات الصحية والطبية موازية و تعتمد على مرجعيات علمية غريبة ونادرة وغير
معترف بها . وانتشرت فى الشوارع وعلى
شبكات التواصل الاجتماعى اعلانات كهذه "إذا كنت مريض كورونا وتحتاج مساعدة أو
علاج ناجح أتصل بنا وسوف نأتى إلى المنزل " فيبدو أنه تم تأسيس نوع من
المستشفيات الخاصة لتقديم الخدمات التطبيبية و التى يديرها ويتحكم فيها جمع ممن
لديهم هواية التطبيب.
اشكال ممارسة هواية التطبيب المعتادة:
ثلاث اشكال من
المواقف الإنسانية تتعلق بما يحدث بعد السؤال عن الصحة ؟ - وهو سؤال فضولى قد يحدث
اشتباك ومشاكل فى العلاقات، وفى حالات فض الاشتباك السلوكى ينصح بعدم السؤال عن الصحة . -
أولا : موقف التطمين ، ثانيا :موقف التخويف ، ثالثا :موقف
التطبيب .
أما عن
موقف التطمين : وهو من باب الطبطبة والمعلشية ، وفقد يكون المريض بالفعل بحاجة
إليه ، وقد يكون مفيدا له أو ضار . فيكون
مفيد فى حالات الطوائ الإصابات والحالات المفاجئة – مبدأ التطمين من مبادئ
الأسعافات الأولية والرعاية فى المنزل حتى وصول الطبيب- كنوع من بث روح البشر والتفاؤل والأمل فى العلاج
والاجواء النفسية الإيجابية ومحاولة تهوين المصيبة .
لكن أحذر الكذب إذا كنت ممن يمارس التطمين حتى
لا تخسر ثقه المريض ولكن ايضا لا داعى للصراحة المطلقة والوضوح الغير مبشر ، ولا
تعتمد فى التطمين على معلومات خاطئة أو حكايات كاذبة ،والمسموح به فقط هو المبالغة
فيما هو ايجابى يدعو للبشر وبث أجواء الأمل .
تعلم
أن هناك ست حالات من تطور أى مرض - أما أن
لا يحدث تحسن ولا يحدث تطور للاسوأ وهذا استقرار ايجابى فى الحالة - وأما يحدث
تحسن آخر بطيئ وتدريجى – او تحسن بطيئ وتدريجى يتخلله بعض الانتكاسات الصغيرة – اما ان يكون التحسن سريع وهذه فرص لتبشير
المريض بقرب زوال ألمه واتمام شفائه - أو ان تسؤ الحالة ببطئ وهذا ايجابى - أوتسؤ
بسرعة وهذا مخيف ، وسط كل هذه الحالات الست سنجد ما يدعو للبشر والتفاؤل إذا كنا
نريد ايجاده .
وإذا لاحظت
أن المريض يشك فى كلامك ويعتبرك كاذب وتحاول تطمينه فقط وخداعه توقف عن التطمين
وأستخدم الاساليب الآخرى للمشاركة الوجدانية والدعم المعنوى وتخفيف حدة الألم
(أساليب الطبطبة ) . وهناك من المرضى من لا يريد التطمين ويعتبرونه نوع من الفضول
والتدخل فى شئونهم فلا داعى لممارسة التطمين معهم . وإذا لاحظت أن التطمين قد يؤدى إلى أهمال العلاج
أو الارشادات الطبية فتوقف عنه فورا .
لا يعتبر
هذا الموقف ضمن مصطلح هواية التطبيب بالشكل السلبى ولكنة نوع من التطبيب الايجابى
المسموح به لمرافق المريض وجليسه فى المنزل كنوع من الاحساس والأدب فى مرافقة
المريض وليس لارضاء هواية التطبيب . ويعد الموقف الثانى ايضا موقف التخويف فى اطار
التطبيب المسموح به - والذى لا يدخل تحت مصطلح هواية التطبيب - للمريض الذى يهمل
فى العلاج أو يتقاعس ويقصر فى الاجراءات الارشادية الطبية ولكن يمارس التخويف بقدر
ودون فرض اليأس من العلاج و بُعد الطريق إليه مع وضع البديل المتاح للنجاة عند التخويف .
وعموما فأن التطمين والتخويف مسموح به لمرافقى
المريض والسائلين عن الصحة ،بعيدا عن هواية التطبيب وخصوصا اذا كان بشكل خفيف وغير
تفصيلى ويحوى أمنيات بالشفاء ودعاء إلى الله
وتفويض الأمر كله إلى الله وعدم بُعد
المريض عنه .
الموقف الثالث :
وهو ممارسة هواية التطبيب أما بشكل خفيف لكنه موجع كمحاولة البحث عن أسباب المرض
الإصابات ؟ وتقليب المواجع على المريض كأن يقول للمريض :" أنا مش قلتلك ،
علشان استحميت وخرجت فى البرد ، علشان مسمعتش كلامى ، علشان بتاكل ملح كتير ...
الخ ، ويجب ان نراعى ان المريض يشعر بالوجع و الألم وليس بحاجة الآن لنقد وانتقاد
وهجوم وما حدث فقد حدث ، وارضاء هواية التطبيب لديه .
او ان
يوغل هاوى الطب ممن يمتلكون هواية التطبيب فى الإرشادات العلاجية وهو غير مؤهل لها ولكن تحت
دافع إرضاء هوايته يوجه نصائح صحية عامة عن الأكل والنوم واساليب الراحة والتخلص
من الألم ، او أقتراح علاجات فعالة عبر وصفات شعبية أو من الطب البديل ، أو اقتراح
أسماء الأطباء المناسبين والمستشفيات المناسبة ، أو اقتراح عمل اشاعات وفحوصات
تشخيصية ، أو أسماء مسكنات وأدوية يرجح
استخدامها للمريض. (وهذه أخطر ما يحدث فى هواية التطبيب وخصوصا إذا استجاب لها
المريض ). او يتوغل اكثر هاوى الطب ممن يمتلكون هواية التطبيب فيقوم بقراءة النشرات الطبية للإدوية التى
يتناولها المريض والتأكيد على قراءة الاثار الجانبية ، وإطلاع المريض على كافة القياسات الطبية له خاصة اذا كانت سيئة من
قياس ضغط وسكر ونتائج لجميع انواع التحاليل الطبية وقراءة معلومات عن المرض المشخص
تفصيلية ودقيقية و عن نسب العلاج وعن
مستقبل المرض وتطوره عبر ما يتوفر من معلومات منشورة على النت او معلومات خاصة
بخبرته الطبية وثقافة الطبية التى تتميز لاى من هو غير متخصص فى الطب على الدوام بكونها
محدودة وغير منظمة أو قاصرة على خبرة خاصة لحالة فردية لا يمكن تعميمها أو مشكوك فى مصادرها أو مبالغ فيها . ولا يزيد
ذلك من يملك هواية التطبيب إلا ثقة فى نفسه ومعلوماته ، التى من شأنها ان ينعكس سلبيا على حالة المريض النفسية
وبالتالى يزيد من مرضه خطورة وتفاقما بفعل هواية التطبيب فقط وياله من هواية
واذا كان على الطبيب الحقيقى ان يراعى الحالة النفسية للمريض مع
العلاج الدوائى ،فان أصحاب هواية التطبيب لا يفعلون فيدعم الطبيب الحقيقى رغبة المريض فى العلاج وارادته للشفاء وإيمان المريض
بقدرة الدكتور أو الدواء على العلاج ، وكل ما من شأنه تحسين نفسية المريض ورفع
روحه المعنوية وهذا يفيد فى أمراض تقليدية بل وأمراض عضال ليس لها علاج دوائى
معروف .
والطبيب عندما يسمع الشكوى يكون له القدرة على التحقيق
مع المريض بخصوص شكواه واستكشاف حقيقة
مرضه والألمام الدقيق بالتاريخ المرضى وتاريخ الإصابات العائلية والوراثيه بالمرض بما
يفيد فى التشخيص والعلاج ، ومن ثم القدرة
على تقييم الاوضاع الكليه لحالة المريض العامة من كل الجوانب والابعاد دون
الاعتماد على مؤشر واحد ، ومن ثم الحكم التشخيصى واختيار الخطة العلاجية المناسبة
والتدخل المطلوب مع العلم ان لكل حالة خصوصيتها وما يناسبها .
تعلم ان الأطباء
ذاتهم اذا مرضوا عجزوا عن علاج انفسهم بانفسهم اما لاختلاف التخصص او لان ليس لهم
ممارسة سابقة فى التخصص المطلوب ، وقاموا بتفويض احد الزملاء بعلاجهم لانه ليس من المفيد ان ينشغل الانسان بعلاج نفسه
كما يخبرنا الطب وعليه ان يقبل التفويض لمن
يثق فيه من الدكاتره او المعالجين ممن
يعملون فى مهنة الطب .
ومشكلة
عدم الثقة فى الطبيب وفى علمه ومهاراته من المشكلات الخطيرة التى تعوق نجاح العلاج
، وان كان هناك ما يبررها من تراجع كفاءة الاطباء ومهنة الطب وتدنى مستوى الرعاية
الصحية والقطاع الصحى ، ألا ان الثقة حتى وان كان الطبيب ليس أهل للثقة أفضل بكثير
لمصلحة المريض من عدم الثقة ، لان الانسان لا يستطيع ان ينقذ نفسه بنفسه دون أن
يثق فى ان يد قوية قادرة على رفعه
لأعلى وهو بثقته بالطبيب الذى لم يجد الا
هو يعكس ثقة بالله الذى اختار له هذا الطبيب وهو بحاجة الى تفويض الطبيب كليا دون
التدخل فيما يفعل هذا التفويض هو سر مهنة الطب واستمرارها .
تبدأ هواية التطبيب وادعاء مهنة الطب بالسؤال عن الصحة وتنتهى بانهيار متوقع للصحة وفشل
الطب وخصوصا بعد محاولة اشراك المريض ذاته فى هواية التطبيب وجعل التركيز فى مرضة
مصدر انشغالة و هواية من هوايات المريض جديدة.
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

