"الانهمام بالذات و الحلم باللذات
"
بقلم
: أحمد حمدى حسن حافظ
يتناول هذا الفصل بالدراسة الكشفية والاستطلاعية
والوصف والتحليل و التعقيب الجزء الثالث من كتاب " تاريخ الجنسانية " و المعنون
ب" الانهمام بالذات " . والذى يتناول
فيه ميشيل فوكو وصف لتقنيات وآليات ( مقاومة ) مناوءة السلطة ( تنحية السلطة جانبا
) و ممارسة الذات بشكل حر بعيد عن سطوة البنية ففيه نرى كيف استطاعت الذات ان تتجاوز
الاخلاق التزهدية وتحقق وجودها الخارجى فى العالم وتبدع سبلا للخروج من تقنيات السلطة
.
ينقسم
" الانهمام بالذات " الى ستة فصول هما على التوالى " الحلم باللذات
" الذى يمهد فيه فوكو لتحليل أركيولوجى هام فى صدد المجال الاخلاقى و الجنسى على
وجه التحديد كميدان نوعى واصيل لتكون الفعل الاخلاقى فهو يحفر تحت السطح العام للخطاب المتسيد فى فترة
القرن الثانى الميلادى ليجد أرشيف من النصوص أوالوثائق التاريخية التى تهتم بتفسير
الاحلام ويأخذ منها نص تميز بالجدة و الفرادة ليحلله وينظر فيه فهو يقوم بعملية تبرير
للعوامل التى جعلته يختار هذا النص أو تلك الوثيقة للقرأة و التحليل فى صفحة تمهيدية
ثم يليها ثلاث أجزاء هما " طريقة أرتيميدور " 8 صفحات " التحليل
" 5 صفحات " الحلم (المنام ) و
الفعل " 7 صفحات ثم ينتقل للفصل الثانى بعنوان " العناية بالذات
" 18 صفحة وهو أطول فصول الجزء الثالث
من تاريخ الجنسانية وبه يعرف الكتاب ( الانهمام بالذات ) ثم يأتى الفصل الثالث بعنوان
الذات والاخرون وفيه يتناول دور الزواج فى 6 صفحات و اللعبة السياسية فى 10 صفحات ثم
ياتى الفصل الرابع وهو معنون بالجسد تمهيد 4 صفحات ومجزاء لاربع أجزاء غاليان اربع
صفحات ، هل هى جيدة هل هى سيئة سبع صفحات نظام
الملذات ست صفحات عمل النفس 7 صفحات ثم الفصل
الخامس المرأة تمهيد صفحتان وينقسم الى الرابطة
الزوجية 9 صفحات ومسألة الحصر 7 صفحات و لذات
الزواج 6 صفحات ثم اخيرا الفصل السادس بعنوان
الغلمان 3 صفحات وهو مقسم لبلوتارك 11 صفحة
لوسيان المزعوم 11 صفحة أدب شبقى جديد
3 صفحات وخاتمة من اربع صفحات
"
الحلم باللذات " :
الحلم هو المساحة الأكثر حرية للسلوك الانسانى
، ففيه تتحقق كل الرغبات الانسانية وتشبع ، وخاصة تلك الملذات السرية المتعلقة دوما
بالجنس ؛ لأنفصاله – أى الحلم -
بكامله عن كل ما يشكل الواقع ويخضع له ؛ فهو منفصل عن كل قوانين الواقع الرسمية
وقواعده الإلزامية وأخلاقياته المفروضة إجتماعيا ، فهو هروب لطبقة رسوبية من الوعى
الانسانى طبقة تحت السطح دائما ( خافية ) تكمن
كترسبات لا تتكون إلا من الوهم والخيال وغير موأخذ عليها من قبل أى أحد ، فالقلم مرفوع
دائما عن الحالم ، فهو- أى الحلم - تعبير عن حرية مطلقة ربما تصل لفوضى شاملة
لا يتحكم فيها إلا الخيال الانسانى اللامحدود .
و الحلم
بلسان فرويد هو لسان حال (اللاوعى أو اللاشعور ) أو العقل الباطن أو أحد مستويات الوعى
الأنسانى شديدة السرية والخصوصية ، و التى لا يصارح الانسان بها حتى نفسه ، وتظل مكنونة
بداخل بواطنه ومكامنه اللاشعورية ، ولكن هذه
المكامن اللاشعورية واللاواعية هى الدافعية الوحيدة فى نظر فرويد لسلوك الانسان ؛ فهى
التى تشكل هذا السلوك رغما عنه ودون أن يدرى بهذا على مستوى الوعى الظاهر .
وإذا
كان الحلم عند فرويد يتخذ هذه المكانة فى تشكيل سلوك الانسان وكشفه عن طبقة اللاوعى
فهو يتخذ منه – اى فرويد - موقع أمثل لتفسير والتنبؤ بكل سلوكيات الانسان التى تظهر
فى وعيه وفى صحوه ، خاصة ما أقترن فى الاحلام بتعبيرات جنسية لها مكانتها ودلالتها
( فى نسق التفسير الفرويدى ) لا رقيب عليها ولا محاسب لها .
ولذا كان الحلم المكان الأمثل لتحقيق اللذات وأشباع
الرغبات خاصة السرية منها والتى لا يرضى عنها المجتمع ويقودها ويفندها الجسم الاجتماعى
بآلياته الالزامية والجبرية ، فعنوان " الحلم باللذات " الذى أختاره ميشيل
فوكو عنوان للفصل الأول من الجزء الثالث من "تاريخ الجنسانية " وهو
"الانهمام بالذات " عنوان موحى بالكثير من الدلالات و المغزيات فالعلاقة
الدلالية بين الحلم واللذة علاقة قوية للغاية فاللذة الحرة المحررة الخالصة لا مكان
لتحقيقها واشباعها إلا فى أرض الحلم الحرة والمخصبة بشتى أشكال الملذات و التى قد لا
يرضى عنها المجتمع .
أن ميشيل فوكو فى " الانهمام بالذات
" يبحث عن تلك الآليات أو التقنيات التى تمارس بها الذات ذاتها بكل حرية ودون
أى قيد وبعيدا عن السلطة أو المعرفة المستثمرة لصالح السلطة، ولذا كان الحلم اول تلك الاليات فالحلم لا يخضع
لاى آليات سلطوية باعتباره أكثر مساحات الفعل الانسانى حرية ، و الحلم الذى سيعنى فوكو
به هو الحلم باللذات ، الحلم الجنسى باعتبار الجنس أكثر أشكال السلوك التى يقودها و
يلتف حولها المجتمع فى خوف ورهبة .
وأول ما يستوقفنا هنا هى العوامل والاسباب( المنهجية)
التى جعلت ميشيل فوكو يختار وينتقى نص أرتيمدور Artemidorus "مفتاح الأحلام
" لتحليله وألقاء الضوء عليه ، وهو النص الوحيد الكامل من " أدب تحليل الأحلام" [1] فى العصور القديمة
( القرن الثانى الميلادى ) - على حد قول فوكو - الأختيار إذن أنصب بشكل عام على " أدب تحليل الأحلام " فى القرن الثانى
الميلادى والذى –على حد تعبير فوكو - أتسم
-هذا الادب – بالغزارة ويستدل فوكو على ذلك بالمؤلفات التى يستشهد بها ارتيمدور ويرجع
لها وهى مؤلفات نيكوسترات الإيفيزى ، و بانيازين الهاليكرناسى ، و أبولودور التلميسوسى
، و فوبوس الانطاكى ،و دنيس الهليوبوليسى ، و الكسندر الميندوسى ،واريستاندر التلميسوسى
،و مصنف جيمنيوس الصورى فى ثلاث اجزاء ، والكتب
الخمسة لديميتريوس الفاليرى ، و الكتب الاثنين والعشرين لأرتيمون الميليوى .
فيعرفنا فوكو بنص أرتيمدور بانه : مؤلف يتناول
" الممارسة " و الحياة اليومية ، فهو صالح للاستعمال فى الحياة اليومية
( أى أنه خطاب منتشر ومتسيد - وليس هامشى - فى الثقافة ) بل وكان يستخدم بغزاره فهو
–أى الكتاب - يحوى تأكيد تبجحى فى الاهداء عن أفراد ليس لهم أى نشاط سوى تفسير الاحلام
باستمرار ليلا ونهارا وهذه أهميته العملية
فى منهج ميشيل فوكو الاركيولوجى [2] ، غير أنه ليس كما يظن تجميع لأشهر الامثلة لتحقق
النبوات الحلمية ، بل مؤلف منهجى يتناول إجراءات تفسيرية أى أدوات متاحة لتفسير الاحلام ومن هنا تكمن أهميته النظرية فى وجهة نظر فوكو لانه
سيكشف عن السر الذى من خلالة تحلل الاحلام وتفسر . [3] و هذا يعكس تركيز ميشيل فوكو
ومنهجة الاركيولوجى على الممارسة العملية اليومية فهى موضوع التحليل الاركيولوجى وليس
المتون الفلسفية النظرية البعيدة عن الواقع وهذا نجده أوضح ما يكون فى الفهم التونسى لميشيل
فوكو ولاسيما عند المفكر التونسى فتحى التريكى
ويحاول ميشيل فوكو أن يصيغ بنفسه أسباب ومبررات
انتقاءه لهذا الكتاب[4] فى الاتى : "
لا ينطوى على تفكير أو وعظ أخلاقى " [5]
فهو ليس كتابا فى الاخلاق أصلا وإنما كتاب يعكس فكرا قد يراه فوكو فى نتيجه
التحليل الاركيولوجى فكرا أخلاقيا تسيد بفعل هذا الخطاب على الثقافة فى ذلك العصر ،
"عرض منهجيا لمختلف الاشكال الممكنة للافعال الجنسية " [6]، وأن كان هذا
لن يهم ميشيل فوكو كثيرا فى سياق هذا الجزء "الانهمام بالذات " أو فى سياق
نتيجه التحليل الاركيولوجى الخاصة بالفكر الاخلاقى ، بقدر ما سيشكل أستشهادا أدبيا
عن مدى ما وصلت ألية الثقافة فى هذا العصر من تسامح حول الأمور الجنسية وخصوصا أنه
يقول عن الكتاب : " لا ابداء لأراء أخلاقية بشأن هذه الافعال "[7]،
" تصورات - ارتيميدور - قريبة من تجربة
الافروديزات الاخلاقية"[8] وهذا القول من فوكو استباق لنتيجة تحليلة الكلية للنص
.
" تاريخ الجنسانية " هو حفر ( استطلاع
انتقائى ووصف و تحليل ) أركيولوجى أى حفرى فى الطبقات الرسوبية ( تحت السطح ) المختلفة
للخطاب حيث ارشيف الوثائق أى مجموع النصوص الحاملة للمنطوقات ، ونحن هنا فى عصر الحضارة الرومانية أو اللسان الرومانى فماذا سنجد من منطوقات
لهذا اللسان فى القرن الثانى بعد ميلاد المسيح ؟ ماذا نتوقع من خطاب " حول الجنس
" ؟ فالخطاب المتسيد بفعل البنية المسيحية لابد ان يكون خطاب تزهدى تقشفى ؟ أما
ان يكون العكس هو الصحيح وهذا ما يؤكده فوكو دائما ! فهو ما سيكشف عنه اركيولوجيا فوكو
فها هو سينسل ليبحث فى ميدان خطابى قد تبدو صورته بعيده تماما عن الاخلاق أو أخلاق
الممارسات الجنسية والفعل الجنسى ، وهو ميدان تفسير الاحلام انه هنا يبحث بالحفر تحت
السطح الخطابى الذى تسيدت عليه البنية ، ليكشف أرشيف كامل حول تفسير الاحلام كان بتعبير
فوكو فى هذا العصر جزء من تقنيات العيش [i]لا غنى عنه فميدان أدب الاحلام
ميدان ضرورى ومنتشر فى الثقافة ويقدم لنا فوكو لسته مطولة من مؤلفات تفسير الاحلام
ليؤكد كم كان هذا الخطاب ( تفسير الاحلام ) متسيد على الثقافة وجزء هام منها ، ويختار
فوكو على حد تعبيرة النص الوحيد المكتمل من ادب تحليل الاحلام فى العصور القديمة وهو
كتاب مفتاح الاحلام لارتيميدور فى القرن الثانى الميلادى ليتخذه كنموذج ويبدأ فى عرض
أفكار هذا الكتاب ثم يحلله فنكتشف ان الخطاب الحقيقى المتسيد فى هذا العصر حول الاخلاق
الجنسية كان خطاب لاتزهدى ولا تقشفى ( يخصص ارتيمدور اربعة فصول للمنامات الجنسية هذا
من ناحية الكم )
فالحلم باللذات الجنسية وكلسان حال ارتيمدور
يبرز وضعية الشخص الحالم كفاعل إجتماعى ايجابى فى الواقع النهارى ، ( بما يعبر عن أهم
خصائص تجربة الافروديزات الاخلاقية فى وجهة نظر فوكو ) ، هكذا قيم ارتيميدور النشاط
الجنسى : حسب اسلوب النشاط فاسلوب النشاط الشخصى للجنس هو الاهم عند ارتيميدور من الغاية
الجنسية ، يقيم أرتيمدور النشاط الجنسى فى الاحلام حسب مبدأ واحد ويكسبه أهميته القصوى
: هل كان الشخص فاعل جنسى أم مفعول به منفعل
؟ فاذا كان الاول كان حسن الطالع وحسن الحظ وحسن المستقبل واذا كان الثانى كان سوء
الطالع ؛ هل الشخص كان فاعلا أم منفعلا فكون الشخص فاعلا فإن هذا بالامر الايجابى فى
عالم النهار ما بعد الحلم وكونه منفعلا فإن
هذا بالامر السلبى . وهذا يختلف بالطبع عن تقييم النشاط الجنسى وفقا لعقائد تزهدية
صرفة كما عبرت عنه فلسفة القرن الثانى الميلادى فى سياق أكثر صرامة فالشخص الحالم لفعل
جنسى يحافظ على موقعه كفاعل اجتماعى ان كان هو الفاعل الجنسى فى الحلم وهو كذلك فى
الواقع ان كان مفعولا به منفعلا فهو كذلك فى الواقع .
لابد للشخص – عند ارتيمدور - ان يشارك فى الفعل
الجنسى دائما وبصفته ممثل رئيسى اذا لم يحلل ارتيمدور مشاهد جنسية كان الشخص الحالم
فيها فى موقع المتفرج ، أذن الحالم حاضر دوما فى منامه الخاص وفاعل وليس متفرج وهذا
يبرز المكانة التى تحتلها الممارسة الجنسية فى الثقافة .
الافعال الجنسية دائما عناصر لها دلالة فهى دلائل
تدل على ما هو غير جنسى فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية حياة اليقظة وليس مدلولات
فى حد ذاتها ليس كما عند فرويد يمكن تأويلها باعتبارها تفسر فعل جنسى فى الواقع هو
دائما دال لا مدلول (نجاح أو فشل فى الاعمال - اغتناءأو افتقار - وقوع الاسرة فى السراء
او الضراء -مشروع مربح او غير موفق -خلافات وخصومات ومصالح- وحظوظ سيئة او جيدة فى
الحياة العامة ونفى وادانة ) كل ذلك حسب موقع وموضع الفرد فى الفعل الجنسى فاعل أذن
سيجد كل شئ ايجابى ، مفعولا به سيجد فى الواقع كل شئ سلبى . ونلاحظ هنا كما يذكر فوكو
ذكورية ارتيميدور .
ويلاحظ فوكو فى بنية اللسان الرومانى الالتباس
بين المعنى الجنسى والمعنى الاقتصادى لبعض الالفاظ Soma جسد أو ثروات واموال ، Ousia الجوهر أو الغنى أو البذر والمنى ( فقدان الاخير
فى الحلم يعنى استجلاب الاول ) ،Blabe الضرر الاذية حظ خاسر أو منفعل
فى اتصال جنسى .
بمعنى
أصح ما فات هو نتيجة التحليل الاركيولوجى النهائية التى يعطيها لنا فوكو الا انه يفخر
بتصنيف ارتيميدور للافعال الجنسية فهو كما قلنا بمثابة أستشهادا أدبيا عن مدى ما وصلت
ألية الثقافة فى هذا العصر من تسامح حول الأمور الجنسية : وهى ثلاث انواع من الافعال
،الافعال المطابقة للقانون : الزنى والزواج ، معاشرة المومسات ، اللجوء الى عبيد البيت
، استمناء احد الخدم يلاحظ فوكو : اذا كان الفرد تحت العبد فهذه علامة شئوم خطر مهدد
لموازين القوة وليس للطبيعة .
الافعال
المخالفة للقانون المحارم ، حيازة الابن لاب
،الابن والام .الافعال المخالفة للطبيعة : وهى فرع من الافعال المخالفة للقانون الاتيان
من الخلف - جنس الافواه - المراة فوق الرجل -علاقة مع الالهة مع الحيوانات مع الجثث
مع النفس ليست استنماء وانما دخول العضو للجسد ذاته او تقبيله او مصه بالفم - علاقات
بين امراتين او بين رجلين وان كانت مطابقة
للقانون
خلاصة :
قام ارتيميدور (150 ق.م ) بتفسير الاحلام من منظور الممارسة اليومية للذات
– لا من خلال مرشد اخلاقى وانما – ببساطة من خلال فض الرموز . فليست الافعال الجنسية
أخلاقية او غير أخلاقية فى ذاتها "[9] وعلى عادة المنهج الاركيولوجى من الجرى
وراء النصوص النادرة ومحاولة تحليلها نجد فوكو يخصص الفصل الاول لتحليل كتاب ارتيميدور
. وهو اذا يتحدث عن هذا الكتاب فانه يرصد المنطوقات او العبارات التى من المستحيل التفوه
بها الا فى نطاق الحلم و عبر غطائه ليوضح ان خطابا ما اكثر حرية بدأ يعبر عن نفسه دون
اى ارشادات اخلاقية فما يحدث مجرد حلم . وتنعكس هذا الاحلام فى الفعل والممارسة الاجتماعية
لصاحب الحلم وكأن ثمة علاقة ينبغى تأملها بين الفعل الجنسى والنشاط الاجتماعى ( يراها
فوكو من خلال علاقات السلطة ) .
اذن طريقة الحلم وتفسيره بعيدا عن الاخلاق
وما هو طبيعى وما هو غير طبيعى الية من ضمن اليات متفردة مارست من خلالها الذات ذاتها
بحرية .
الزواج
والسياسة :
سبق ان تحدثنا عن الزواج ولعبة السلطة من خلاله
لكن من الممكن ان يكون نفس الزواج نوع من التأمل للذات عبر علاقتها بأخر نوع من الاكتراث
بها ومحاولة رؤية لها , كما انها تعبر عن احترام للملذات الكامنه فى هذه الذات .
وهنا يعود فوكو للتوازن فى رأئيه عن الزواج باعتباره
ترسيم سلوكى و استثمار لتوزيع الادوار فى لعبة السلطة والسياسة ليس أكثر ليوضح ان نفس
الزواج كان من وسائل الاهتمام بالذات وصنع وجودها الخاص ويرصد ذلك فوكو من خلال التغيرات
التى حدثت فى العصر الرومانى للزواج وكيف خرجت من تحت عباءته اللعبة السياسية ولو قليلا
.
الجسد
:
يقل التخويف بل ينشأ نوع من الترغيب الطبى وتسمية
الجنس بممارسة صحية والتوازن مع ما سبق من تخويف ويتم وضع نظام للذات بعل مناقشة هل
هى سيئة ام هل هى جيدة .
عموما ينشأ فى العصر الرومانى ما يمكن تسميته اعادة
الاعتبار لحرية الذات الشخصية .
الغلمان :
-يرصد فوكو فى مقدمة الفصل السادس المعنون
بالغلمان انه فى العصر الرومانى لم يكن موضوع حب الغلمان موضوع نقاش نظرى واخلاقى كبير
، فقد فقد الموضوع حيويته عن ايام اليونان
، ويؤكد فوكو ان هذا لا يعنى البتة تراجع الميل للغلمان أو تأثر الحكم القيمى
على هذه الممارسة ولا انتهاء الممارسة أصلا بل يعود ذلك لتثمين الزواج وعلاقاته العاطفية وتضاؤل الاهتمام
بالصداقة وعدم الفاعلية التربوية لموضوع حب
الغلمان ، والغلمان المحمين بعائلات واسر كبيرة وغنية ، رغم ان القانون لا يمنع اللواط
فى العصر الرومانى.
وفى الجزء الاول لهذا الفصل والمعنون
"بلوتارك " يطرح فوكو ذلك التساؤل غلمان ناقصون ام زوجة لطيفة ؟ فلبلوتارك
محاورة حول الحب يناقش فيها عدم التوازن بين الحب الجسدى والحب الحقيقى الروحى ، فحب النساء حب جسدى مبتذل اما حب الغلمان حب روحى
حقيقى ، برغم وجود ممارسة جنسية " اذا لاحظ العاشق ان حبه لا يولد عند الاخر صداقة
وفضيلة فسيتخلى عن رعايته واخلاصه له " وفى الجزء الثانى بعنوان لوسيان (المزعوم
) وهو صاحب نص " الوان الحب" وهى مناظرة بين حب الغلمان وحب النساء ، حيث ينصب
التهكم اللوسيانى على التذكير بانه يستحيل
ابقاء الافروديزيات خارج ميدان الحب
(تجربة الافروديزيا ترى انه لا تثمين اخلاقى للحب باستبعاد اللذة الجنسية و
العكس صحيح كما عبر عن ذلك نيتشه بان الحب بلا جنس لا معنى له والجنس بلا حب انحطاط
حيوانى و هذا ما يعبر عنه فوكو) ،ولكنه رغم ذلك
سينتهى لوسيان بشئ من اللبس لصالح حب الغلمان ، فايروس الجنى السماوى وخادم
اسرار الحب "حب الغلمان " حب بلا لذة حسية ايروس قضى على الفوضى بالصداقة
والحب وافروديت اله للحب الحسى الجنسى "حب النساء " ، اللذة الحسية ستنتصر
فى حالة الطبيعة المرتبة لتعاقب الاجيال كما عند الحيوان اما الحالة الانسانية الراقية
حب الغلمان قوة ربط وتوفيق تقضى على الفوضى الطبيعية تخفف تدريجيا السقوط فى هاوية
اللذة والحاجات الاساسية انه تعبير عن ارتقاء البشر نحو المعرفة والنظام حيث التعليم
والتدريب بين التلميذ والمعلم فمن المعرفة البشرية نشاء حب الغلمان فالفلسفة والاشياء
الجميلة تولدها الصداقة ، هنا نلاحظ نزعة افلاطونية
فى مقابل نزعة رواقية تفضل الخضوع لتأثير الطبيعة ، ولكن تخلص الانسان من حاجاته الافروديزية
يعد رياء لواطى ، فلا حب للغلمان بدون ممارسات جنسية فلوسيان يتهكم على التصور التقليدى الذى يخص الفلاسفة
بلواط تستبعد منه اللذة الحسية باعتباره صداقة عادلة وغير مدنسة قائلا انكم تعتبرون
انفسكم ايها اللواطيون من اتباع سقراط الذين لا يعشقون الاجساد بل النفوس .غاية القول
ان اللواطيون لا يكتفون بصداقة دون جنس وان كان يعتقد ان الرجل المنفعل عار ، فالجنس
اللواطى ليس لذة تبادلية ( كما فى الجنس بين الرجل والمرأة ) فالدور السلبى فى اللواط لا يشعر باى لذة ( وفى
المقابل يقول اللواطيون المراة تخفى لذتها عن الرجل صاحب الدور الايجابى ) ، فانه فى
الاخلاق اللواطية لابد من تبادل الادوار فرد المعشوق للمودة الجنسية التى تلقها جزء
من الاخلاق اللواطية . وفى الجزء الثالث يرصد ظهور أدب شبقى جديد وليس فلسفة ، ادب
ينتشر بصدد العلاقة بين الرجل والمرأة حيث مغامرات لها مدلولها المجازى والروحى ، تتميز
بوجود علاقة متغايرة الجنس ومتسمة بقطب ذكرى وقطب انثوى . رغم ضرورة امتناع عن الجنس يقتدى بالطهارة العذروية البطولية اكثر بكثير مما
يقتدى بالسيطرة السياسية والرجولية على الرغبات واكتمال هذه العفة ومجازاتها فى ذلك
الاتحاد الذى له شكل وقيمة زواج روحى وهنا نجد تاثير افلاطونى بعيدا جدا عن ادب شبقى
يستند لحب الغلمان المعتدل واتمامه فى شكل الصداقة الدائم ، حب الغلمان غير غائب تماما لكن نجد شخصيات تقدم
نصيحة للبطل فى التقدم لحب البنات ، ونظرية مبتكرة لقبلة الغلمان لا رقيقة ولا رخوة
ولا فاسقة مثل قبلة النساء .حيث نجد حب بين صبى وفتاة ومشاكل لاقترانهما النهائى وقد حافظ كل منهم على امانته الجنسية وهو امتناع ناجم عن التزام واختيار حياتى ،برغم
التعرض لاشتهاء الاخرين ولكن محاولات جادة للبقاء بتولة وهناك بتوله ذكورية ايضا .
العفة بالمعنى الجسدى والروحى
العناية
بالذات :
مع التطور من العصر اليونانى الى العصر
الرومانى بدأت قيمة التزهد الاخلاقى لا ترتكز على شكل تضييق قانونى وانما بتقوية العلاقة
مع الذات وقد نمت نزعة فردانية تولى اهمية متزايدة لاوجه الحياة الخاصة وللانهمام بالذات وقد بدا ذالك فى فلسفات العصر الهلينستى الاخلاقية وكان هذا التفات للذات على حساب المجتمع .
ومفهوم الانهمام بالذات هو المفهوم المحورى
فى كل الاخلاق الفوكوية اى جعل الذات هى الهم والشاغل للانسان .
عموما
ينشأ فى العصر الرومانى ما يمكن تسميته اعادة الاعتبار لحرية الذات الشخصية .
وعند هذه النقطة يبدأ فوكو ببذر بذور فكرته
الاخلاقية . عن مذهب الأخلاق بوصفها علم جمال
والذى يرى أن الإنسان أمامه مساحة من الحرية ليصور حياته على أنها عمل فني جميل فليبتغى
الإنسان من وراء سلوكه التمتع بجماليات الحياة حلوها ومرها فما الحياة إلا عمل فني
حر , فهو يتحدث عن العصر اليوناني كعصر ذهبي للإنسان وكيف كان يتمتع اليوناني بحياته
بكل حرية وهو يرى أن هذه الحرية قد عادت مرة أخرى فى عصرنا هذا وما أشبه الليل بالبارحة. جميلة هي الحياة!!
إلا أن ميشيل فوكو غرق في النزعة الفردية
المتطرفة والتى نقصد بها الفردية النرجسية اى الانغلاق على الذات والانهمام بها وتأملها
جماليا بما يحقق لذتها دون الحديث عن ذات منخرطة فى المجتمع تعرف نفسها من خلال موقعها
الاجتماعى ومسئوليتها عن الاخرين وهنا نقول ان فوكو قدم صورة للذات تختلف عن الصورة
التى قدمها هيجل للذات وكانت شعار الحداثة ,
الانا عند هيجل تدرك وتعى نفسها من خلال النحن , اى ان الذات الفردية عند هيجل
لا تعى نفسها مطلقا الا من خلال كونها منتمية الى ذات كلية هى المجتمع او الدولة ,
فعندما نقول انسان فنحن نعنى الإنسان كفرد والإنسان كجنس فى آن واحد ؛ لان الإنسان
يتميز عن سائر الكائنات فى انه كفرد - ورغم استقلاله - يعى نفسه من خلال الجنس ككل
, فيستجيب للماهية الإنسانية فى طبيعته , ولذا نفرق بين التجمع الحيوانى و المجتمع الانسانى فى ان المجتمع الانسانى وحدة روحية تحركها أهداف
وأحلام والآم مشتركة نابعة من إدراك انسانى بمفاهيم كلية يسعى الجنس الانسانى
ككل لتحقيقها , تمثل قيما ومثلا عليا كالعدالة والرخاء والحرية , فى حين ان التجمع الحيوانى تجمع غير واعى بأهدافه
كمجموع ولا يحركه أهداف وأحلام مشتركة نابعة من مفاهيم كلية لان طبيعة الحيوان انه
لا يدرك ذاته ككل كنوع ولا يدرك مفاهيم كلية
أخرى ليسعى لتحقيقها فلا يساهم الحيوان فى صنع واقعة وليس له تاريخ لان طبيعة إدراكه
مختلفة عن الإدراك الانسانى الذى يرقى لكونه وعيا شاملا عند هيجل . وهذا بالتحديد ما
ينتقده فوكو ليقدم ذات نرجسية تعبر بشكل اكبر عن روح فردية وهى ذات ما بعد الحداثة
التى اصبحت واقعا نعيشة ولا نستطيع الفكاك منه .
كما ان الحرية التى يقدمها فوكو تصل لحد الفوضى فهى حرية دون اى نوع من القيود فالقيم
الجمالية تتميز بكونها اكثر القيم مرونه فان كانت معيار للاخلاق فلابد ان يتميز الحكم
الاخلاقى بالميوعة والذاتية المفرطة بل لا يكون هناك حكم اخلاقى مطلقا , ربما يكون
ذلك ايجابيا كنوع من مقاومة السلطة لكنه لا يعطى الانسان عناصر تساعده فى الرقى الاخلاقى
, ولكننا نستطيع أن نقول ان فوكو عبر عن روح
عصره فها هي ما بعد الحداثة في أوجها ففوكو قد جعل الفلسفة جماهيرية،بحديثه عن اخلاق
حرة بل فوضوية وذات نرجسية قمه فى التفرد والفردية , بل أن بعض الاساتذه يقولون أن
ما فعله ميشيل فوكو في الفلسفة يشبه ما فعله مايكل جاكسون في الغناء ، ففوكو يتحدث
عن الجنس والسجون والجنون وهى موضوعات جديدة على الفلسفة ويناصر المغتربين والمهمشيين
ومنتفى الفاعلية فى هذا الزمان , ويرسخ مفهوم الامبالاه الجمالية . فهل كانت اخلاق فوكو كما ظهرت فى كتابه
الاخير الانهمام بالذات والذى دعا اليها هى أخلاقا ام لااخلاق نيتشوية جديدة يظل ذلك
هو الحدس الرئيسى لدراستنا , مات فوكو بالايدز عن سن يناهز الخمسين تقريبا بعد تحقيق
نجومية فريدة فى عالم الفلسفة , وقد كان أحد اشهر الشواذ والمدافعين عن حقوقهم , ورأينا
ان نقول ذلك لا لشئ الا لنقول ان كلمات فوكو لم تكن مجرد كلمات تدعو لحرية نظرية او
لفوضوية نظرية لكنها ايضا كانت ممارسات ذاتية ايضأ اودت بحياته فهل كان ذلك هو الانهمام
بالذات فى شخص فوكو !!
لقد حاولت ان لا اقيم فوكو من منطلقات دينية
او أخلاقية صارمة , لكن فقط أقيمه من خلال
معياره الجمالى ..هل كانت حياة فوكو تحفة فنية ! وهل الانهمام بالذات النرجسية يحقق
لها اى نوع من الخلود فى هذا العالم او يحقق خلاص الانسانية ؟ الا ان فوكو يستحق التأمل
عدة مرات .
[1]
ص 7
[2]
ص 6 – 7
[3] ص 7
[4]
(ص 6)
[5] ص 6
[6] ص 6
[7] ص 6
[8] ص 6
[9]
كريس هوروكس ,زوران جفتيك اقدم لك فوكو ترجمة امام عبد الفتاح امام , مرجع سابق ,ص
161 .
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق