نظرية المعرفة عند هنرى برجسون
بقلم
احمد حمدى حسن حافظ
مقدمة
نظرية
المعرفة أو الابستمولوجيا
مبحث
حديث نسبيا من مباحث الفلسفة الاساسية ظهر فى القرن الثامن عشر تحديدا على يد رينيه
ديكارت
وهو
يبحث فى ثلاث مباحث
الاول
: مصادر المعرفة هل هى الحواس كما فى المذهب التجريبى Empiricism
ام
هو العقل كما فى المذهب العقلى Rationalism
ام
هو الحدس كما فى المذهب الحدسى `Intuitionism
الثانى
: طبيعة المعرفة هل هى مثالية ام واقعية وهل هى واقعية ساذجة ام نقدية
الثالث
: امكان المعرفة وينقسم بين موقفى الشك والقطعية
ونحن
نبحث فى هذا البحث فى مصادر المعرفة وعلى الاخص فى المذهب الحدسى intuitionism
والذى
تبناه هنرى برجسون Henri.`Bergson (1859-1941)
ذلك الفيلسوف الفرنسى المعاصر الذى يقول عنه دكتور
زكريا ابراهيم فى كتابه عن برجسون ان ذلك الفيلسوف تعبر فلسذفته عن قمة التسامح الفلسفى
فهى فلسفة ترفض التصورات الجاهزة والمفهومات الجامدة فهو فيلسوف لا مذهبى تميز بالبساطة
يبدو لنا للوهلة الاولى اننا امام فيلسوف عقذلانى
ينحى منحى جديد ورؤية جديدة تجاه العقلانية فيعبر عنها بالحدس الذى هو درب من دروب
التفكير (التفكير والمتحرك 1950 ص 95 ) لا يلغى عمل العقل بل يكمله
فهو يعطى للعقل مجاله وميدانه وهو ميدان العلم
والمادة ويعلن ان العقل قادر على التغلب على الصعوبات ولكنه يختار الحدس لمجال آخر
هو مجال الفلسفة دائرة الروح الكيف والتوتر والزمن والديمومة والتعاطف الروحى وهنا
نرى ان هنرى برجسون لم ينتقد المعرفة الحسية لانه يبدو انه ليس من مدرستها على الاطلاق
وانما نقد المعرفة العقلية ووصفها بانها كالمعرفة الحسية تماما ولكنه تحدث عنها فى
اطار ميدانها بانها مفيدة ولكن فى ميدان الحياة ليست مفيدة على الاطلاق
ويعد
برجسون اول من قدم لنا ما نستطيع ان نستغنى به عن العقل فى ميدان المعرفة
ميدان
العلم ( العقل – المادة – التحليل – الانفصال – المكان – الساكن – الحس الخارجى – الكم
) يرى الاشياء من الخارج معرفة من الخارج
ميدان
الفلسفة ( الحدس – الروح – التعاطف الروحى – الاتصال – الزمان – المتحرك - الحس الباطنى
الداخلى – الكيف ) يدرك الاشياء من الباطن بالشعور والوعى معرفة من الداخل
ما
عابه برجسون على العقل ؟ كوسيلة للمعرفة ؟
العقلانيون
جعلوا العقل على نمط الحس
حيث
قالوا بان الظواهر والافكار العقلية مرتبطة ببعضها البعض على نحو تجريبى
فالعقل يحلل الكل الى اجزاء منفصلة لا تصلح للتعبير
عن الحياة التى لا تدرك الا ككل من خلال الحدس
ففى المعرفة العقلية لا تستطيع ان تلمس الشئ
موضوع المعرفة الا لمسا سطحيا وتتناوله من الخارج فقط كما انها معرفة نسبية عاجزة الى
ان تصل الى ما عليه الشيئ فى الواقع ومعرفة مجردة كمية للشئ وكانها تعطينا رسم تخطيطى
متقطع decoupe وهى معرفة استاتيكية واقفة
جامدة غير معبرة عن الحياة
ما
هو الحدس ؟
فى
اللغة مرادفا للتخمين
عند
الرازى : سرعة الانتقال من المبادئ الى المطالب اى من المقدمات الى النتائج دون خطوات
تدريجية انتقال بلا واسطة
عند
الصوفية : الشفافية التى يحصل عليها السالكون الذين يصلون للحقيقة بالاشراق او الفيض
عند
ديكارت الرؤية العقلية المباشرة للحقائق الرياضية
عند هنرى برجسون : الحدس درب من دروب التجربة المباشرة مع الاشياء ينقل الينا
الحياة الكلية للشئ دون التجاه الى تحليل او تفتيت نعيش جو التعاطف مع الشئ هو رؤية
باطنية التى توقفنا على حقيقة داخلية بوصفها ضرورة متصلة لا تتخللها فترات سكون هى
كيفية تتصف دائما بالمرونة والجدة وعدم قابلية التكهن بها وهى ليس معرفة رمزية وهنا
فهى معرفة للوصول لا للتواصل اى يصعب ان نعبر
عنها بالالفاظ والرموز واهم الاشياء التى تعرف بالحدس هو الزمان زمان الديمومة الذى لا يخضع لقياس
وتتجدد لحظاته دائما تتعاقب الواحدة تلو الاخرى فى جدة مستمرة غير قابلة للاعادة
الحدس اذن دربا من دروب الادراك المباشر لحياتنا
الباطنية ولمجرى شعورنا الداخلى ونراها هنا فلسفة تتمحور حول الانسان وتجعله قيمة عليا
فى المعرفة الانسان الفرد ومن هنا فالبرجسونية وجودية مقلوبة والحدس يجعلنا نتفهم الحياة
وننفذ الى تيارها المتدفق فالحدس هو المشاركة الوجدانية التى بمقتضاها ننفذ الى باطن
اى موضوع لكى نتطابق مع ما فى هذا الموضوع من اصالة فريدة
فما هو مطلق لا يمكن ان يتكشف لنا الا عن طريق
الحدس واما كل ما عداه فهو وليد التحليل
خاتمة
لعلى حاولت ان اعرض فى تلك الاوراق فلسفة برجسون
فى ايجاز ربما يكون مخل لكن يكفينى من هذا البحث اننى مازلت اتسأل ما معنى الحدس وهل
هو حقيقة ام خرافة فلسفية مضللة روج لها كثيرا
لكننى ادرك شيئا واحدا ان الحدس مرادفا للحرية والذاتية المطلقة
فى البحث العلمى المعاصر فلا انسى كيف وكنت طالبا فى كلية العلوم ارى قهر فى الالتزام
بمسلمات الاطر النظرية للعلم فكنت اتمرد بكل وسيلة واتشبث فى اى طريق يخرجنى من ظلمات
هذه الاطر النظرية التى اصبحت مسلمات وكان الحدس هو ذلك الضوء الذى يجعلنى اتحدى الاطر
النظرية او اعيد تفسيرها ووضعها بشكل مختلف فكم مرة اضع فى ابحاثى كلمات ادبية او رؤى
فلسفية احاول بها ان افسر او اعارض الاطر النظرية وكان الثمن الشخصى الذى دفعته من
وراء ايمانى بالحدس الذاتى الفردى الشخصى فى العلم ومحاولتى انشاء علم يخرج من الذات
الى الموضوع وليس من الموضوع الى الموضوع لانها اكذوبة هى الموضوعية ( لا اقصد هنا
الموضوعية بمعنى الصدق مع النفس ولكن اقصدها بمعنى التخلى عن الذاتية وهو معنى خرافى
واسطورى ) فكان الثمن اننى خرجت من كلية العلوم وكأّننى مطرود وفى اسوأ حال اذكر مثلا
تلك الكلمة المحورية التى كنت اذكرها دائما وهى كلمة اضطررت لاختراعها لتعبر عن ما
اريد قوله كيصالنى اى الوصول للحقيقة بالكيان الشخصى للانسان
الا ان المشكلة الحقيقية فى الحدس انه وان كان
وسيله للمعرفة فهو ليس وسيلة للتواصل مع الاخريين الا بشطحات ادبية وربما بالفاظ جديدة
على اللغة كلها مشفرة لان اللغة صنعها العقل ولم يصنعها الحدس
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق