استراتيجيات السلطة وإرادة المعرفة
بقلم
:أحمد حمدى حسن حافظ
تمهيد
:
تعتمد هذه الدراسة الاخلاقية المعاصرة
" آليات ممارسة الذات : دراسة فى أخلاق ميشيل فوكو" على القراءة الوصفية
عموما والتحليلية خصوصا لنص أخلاقى ( أو على الاقل تفترض الدراسة كونه أخلاقى ) أصلى
للفيلسوف ذاته موضوع الدراسة ، اعتبرت الدراسة هذا النص هو النص المصدرى والاساسى والوحيد
فى موضوع " الاخلاق الفوكوية " : و هو نص " تاريخ الجنسانية "
: وهو مكون من ثلاث أجزاء يشكل كل جزء وحدة أساسية وموضوعية من وحدات دراستنا هذه ،
ويرتكز الفصل الثالث من الدراسة و المعنون ب " استراتيجيات السلطة وإرادة المعرفة
" على القراءة الوصفية والتحليلية للجزء الاول من " تاريخ الجنسانية " والمعنون " بإرادة المعرفة "[1] وموضوعه هو السلطة
واستراتيجياتها ، والمنشور فى لغته الاصلية فى وسط العقد السبعينى من القرن العشرين
تحديدا عام1976 .
السياق
التاريخى للنص :
الجنس
و " تاريخ الجنسانية "
لما
كانت السبعينات من القرن المنصرم تعد من أفضل العقود التي مرت ، " من ناحيه الموضه
والفن والرخاء الاقتصادي في أغلب دول العالم " كما تشهد بذلك موسوعة الويكبيديا
الشهيرة [2]فى عالم الفضاء الخائلى ( الانترنت ) بل وتضيف الموسوعة انه "من الملاحظ في السبعينيات ان الملابس وقصات
الشعر كانت واحده و متشابهة في الشكل والموديل في كل دول العالم ! شي غريب حقا- التعجب
بلسان الموسوعة - أن البشريه اتفقت على شيء معين مده عقد من الزمن "
وما يهمنا هنا على وجه التحديد هو ما يعتبره البعض من ان الثورة الجنسية الكبرى كانت فى السبعينات
الميلادية[3] . كما تجلت فى الفنون والميديا والثقافات المختلفة .
و مما نلاحظه ان ما هو اقل من العقد بقليل مر
من وسط السبعينيات وحتى وسط الثمانينات من القرن العشرين ، ثمان سنوات بالضبط هى الفاصل
بين الجزء الاول والاجزاء التالية من كتاب
" تاريخ الجنسانية " ؛ فلقد نشر
الجزء الاول بعنوان " ارادة المعرفة " فى عام 1976 ، ثم توقف النشر فى هذه
الموسوعة حتى عام 1984 وهو نفس عام وفاة ميشيل فوكو بالايدز ، فكان الجزء الثانى "استعمال اللذات "
والجزء الثالث " الانهمام بالذات " ولم يتمكن فوكو بسبب وفاته من كتابة الجزء
الرابع " اعترافات جسد " [4]، هذا
وقد ظهر عام 1982 عمل مشترك بين فوكو واخرين لم يبتعد كثيرا عن قضية الجنس هو
" فوضى العائلات " . كما انشغل فوكو فى هذه الفترة كثيرا بالثورة الاسلامية
فى ايران كنموذج لنجاح مقاومة السلطة ، السلطة
التى تحدث عنها باسهاب فى " إرادة المعرفة " والتى بدت مستحيلة المقاومة
؛ لانها تلبس الانسان من داخله وتصنع معرفته وفكرته عن نفسه .
والسؤال المطروح الان ما فائدة تلك المعلومات
السياقية عن جو السبعينات ونحن على وشك قراءة " إرادة المعرفة " ، والاجابة
ان فوكو فيلسوف الحاضر والراهن لا ينشغل بغيرهم ، فلابد ان راهنية صدور " إرادة
المعرفة " لها عند فوكو دلالة من الواقع
المباشر والعينى الذى عايشه فوكو ، ولابد ان " إرادة المعرفة " كانت ارهاصا
محدودا لشئ ما سينمو اكثر واكثر فى الواقع فى الثمانينات و التسعينيات من القرن المنصرم
بل وحتى الان ، و لا اود ان اتعجل الاجابة واقول ان هذا الشئ الذى سينمو وربما يتبلور
فى اواسط الثمانينات ( وقت ظهور كتابى
استعمال اللذات والانهمام بالذات ) هو
" السعار الجنسى " او بعبارة غير متحيزة " الثورة الجنسية " ثم
تواصل رحلتها بعد ذلك بنضوج ، بل لقد كان الامر عند فوكو فى " ارادة المعرفة
" مجرد سؤال مطروح عن مكانة تلك الخبرة الانسانية الخاصة جدا– خبرة الجنس – فى
الوعى الثقافى العام للثقافة الغربية المعاصرة .
فالكتاب
" إرادة المعرفة " محاوله فى صدد الاجابة على هذا السؤال عن مكانة الجنس
؛ ميشيل فوكو فى " إرادة المعرفة "
يحلل الثقافة الغربية متسائلا حول تلك المكانة العظيمة المعطاه للخبرة الجنسية
فى ثقافته . الا اننى اظن ان هذه التحليلات
الفلسفية لمكانة الجنس كانت ردة فعل دفاعية
مبكرة ضد ذلك الواقع الخاص ب " السعار
الجنسى " العالمى الذى اصاب العالم فى مرحلة الراسمالية المتأخرة ، ولست هنا بصدد
رصد الظواهر المتعددة لهذا " السعار" , الذى يحيط بنا من كل الفضاءات المفتوحة , ولكن يمكن ان نقول ان هذا " السعار" اتخذ مظهر اساسي حيث الانتشار الواسع للعرى والاثارة
الجنسية فى وسائل الاعلام العالمية , بل واستخدامه فى الترويج للسلع ، فضلا عن استخدام
وسائل التكنولوجيا المتطورة فيما يعرف بتكوين شبكات دعارة عالمية , كل هذا على اوسع
نطاق , فالجنس اليوم اصبح يحتل مكانة فريدة
فى عالم السوق , ويتميز ذلك الجنس المروج له فى عصر " السعار الجنسى " بانه
خاوى من المعنى تماما لا يحمل فى طياته اى تأسيس ثقافى متميز , فلم يعد جسد المرأة
العارى هو تميمة الحرية كما كان فى عصر التنوير فى الغرب , ولم يعد حاملا لاى قيمة
او معنى يتعدى الاثارة الجنسية الجافة والرتيبة .
و لسوف استشهد بما استشهد به المفكر التونسى
المعاصر عبد الوهاب بوحديبة للتعبير عن ذلك
السعار " لنتمعن جيدأ فى كلمات فلاديمير جانكيليفتش , حين يؤكد ان الشهوة الخانقة
الساحقة التى ينغمس فيها الغرب , تؤدى الى صعق الانسانية واصابتها بالذهول , مثلها فى ذلك مثل السيارات وايام الاجازة
والحانات . ان الاثارة الجنسية ليست سببا او نتيجة لجفاف الحياة , بل هى الجفاف بعينه
. وحين ينعدم الفرح والصدق والقناعة العاطفية والتلقائية , يصبح الباب مفتوحا على مصرعية
لتصنيع الشهوة الجنسية . ان الجنس والعنف اصبحا ابليس العصر الذى حرم من الحب , ليجد
فى الاثارة الجنسية الحالية بعض التعويض للجفاف , غير القابل للعلاج , واى تعويض هذا
!" [5]
ولا نظن ان فوكو كان له رأى اخر فى الجنس
اليوم اذ رأى فى الجنس عموما كعملية حيوية مباشرة جزءا من رتابة العضوية[6] ، وتناول
فوكو بالتحليل هذه الارادة التى جعلت من الجنس والنشاط الجنسى مركزا للثقافة الغربية
؛ حيث اصدرت خطاب معرفى عن الجنس ، يضع الجنس فى مكان السر الكبير الذى يمكن ان نساله
عن ماهيتنا الانسانية ومن خلاله يتم تفسير كل شئ
, وانتقل بذلك من الجنس الى الجنسانية , و التى تعنى تلك التقنيات التى تدار
بها الحياة الجنسية بمعناها الواسع والشامل , فميشيل فوكو بذلك ينتقد ذلك الجنس النمطى
الذى عملت فيه السلطة الحيوية بواسطة تقنياتها الانضباطية على تنميط الممارسات الجنسيه
. بل ويتعدى فوكو هذا لنقد الخطاب الغربى المعاصر عن الجنس, ذلك الخطاب الذى ينطلق
من فرضية مفادها ان الجنس قمع واسكت خلال القرون الثلاثة الاخيرة , وانه ان الاوان
لتحرير الجنس من هذا القمع , ويضع فوكو هذه الفرضية متسائلا عن ما اكسب الجنس - على
العكس من ذلك - خلال الثلاث القرون الماضية تلك الجوهرية باعتباره ركيزة هامة فى الثقافة
الغربية , وخصوصا كما بدا فى التحليل النفسى عند فرويد واتباعة او فى تلك المقاربات
بين الجنس والحقيقة .
مقاربة
وصفية لإرادة المعرفة :
كتاب " ارادة المعرفة " ينقسم لخمس
فصول جاء الفصل الاول بعنوان " نحن الفيكتوريين " وهو اقل الفصول كما حيث
لا يتجاوز العشر صفحات وهو مجرد عرض لمضمون وصيغة الخطاب الغربى المعاصر حول الجنس
كما عايشه ميشيل فوكو والذى يصل به لكلمة تلخيصية هى " الفرضية القمعية
" ، ثم تلاه الفصل الثانى بعنوان
" الفرضية القمعية " وهو فصل يعمل
فى عكس اتجاه الفرضية القمعية اذ يبرز كيف كانت التجربة الجنسية حاضرة فى الثقافة الغربية
على العكس مما تحاول اثباته الفرضية القمعية وذلك الفصل مقسم لجزئين الجزء الاول بعنوان
" الحض على الخطاب " حوالى 16 صفحة يوضح كيف كان هناك حض على الخطاب بشكل
كمى والجزء الثانى بعنوان "الغرس المنحرف " حوالى 13 صفحة وفيه يوضح كيف
كان الحض على الخطاب بشكل كيفى وعميق و إرادى بالنسبة للسلطة ، ثم ياتى الفصل الثالث
بعنوان " علم الجنس " حوالى 19 صفحة وعلم الجنس هو الانجاز الاكبر للثقافة
الغربية فى الخبرة الجنسية يوضح فوكو من خلالة تلك الخصائص التى اعطاها الغرب للممارسة
الجنسية ، ثم الفصل الرابع بعنوان " جاهزية الجنسانية " وهو اطول فصول الكتاب
" ارادة المعرفة " على الاطلاق اذ يتعدى الخمسين صفحة له تمهيد من اربع صفحات
واربع اجزاء هما : رهان ، المنهج ، الميدان ، التمرحل . وهو الفصل الذى ينتقل فيه فوكو
من مجرد الوصف الى التحليل لمركزية القيمة العظمى المعطاة للممارسة الجنسية بشكل معين
فى الثقافة الغربية ، ثم ياتى الفصل الخامس بعنوان " حق الموت والسلطة على الحياة
" ويتعدى العشرين صفحة وهو التحليل الاعمق لتلك الارادة التى جعلت من الجنس
"جاهزية جنسانية " عبر " تقنيات السلطة متعددة الاشكال " .
يعد – اى كتاب " إرادة المعرفة "
- فى حد ذاته مقدمة نظرية للفهم ومدخل تبريري
سينبنى عليه الاجزاء التالية من " تاريخ الجنسانية " ، اذ لن نجد فيه بوضوح
وبشكل مباشر تشكيل او صياغة ايجابية لنظرية اخلاقيه جديدة ، بقدر ما نجد فيه عرضا تلخيصيا
شاملا لنظرية مستحدثة عن السلطة اللامركزية او السلطة اللاسياسية – او على حد تعبير فوكو ميكروفيزياء ( مجهرية لا مرئية
بالعين المجردة ، غير منظورة ) السلطة .
السلطة
من علم السياسة لعلم الاخلاق :
اذ تمتلك هذه السلطة بناء مفاهيمى غير مألوف خاص
جدا بفوكو ، فهو يتتبع السلطة فى الكيان أو الجسم الاجتماعى ككل بصرف النظر عن مركزة
السلطة فى الدولة كموضوع لعلم السياسة ، واذا كان موضوعنا فى هذه الدراسة ككل هو الاخلاق
لا السلطة والسياسة ، فأننا سنكتشف مع فوكو
فى السلطة اللامركزية المخترقة للكيان الاجتماعى ثمة فعل أخلاقى لهذه السلطة و كأن
السلطة تنتقل مع فوكو من علم السياسة الى علم الاخلاق ؛ لتتبعه لتأثير السلطة على سلوك
الافراد لا الدول ، ويمكننا ان نقول ان الاخلاق الفوكوية فى " إرادة المعرفة
" تقف قبل ذلك الانزياح النظرى من السلطة الى الاخلاق ويعنى هذا انها تمهد لهذا
الانزياح وتلك النقلة ، فالسلطة ستؤول فى النهاية على يد فوكو لفعل ايجابى و خلاق ومبدع
موجهه للتحكم فى الاخلاق او سلوك الافراد فى المقام الاول والاخير . وهذا ما يسميه
فوكو بدلا من السلطة " تقنيات السلطة
متعددة الاشكال " ، وما سنسميه نحن " استراتيجيات السلطة " .
وهكذا كانت " استراتيجيات السلطة
" هو الشق الاول من عنوان فصلنا هذا ،
وهو الجانب الموضوعى لكتاب " إرادة المعرفة " الشق الثانى من عنوان فصلنا
هذا ، وهذا يعنى اننا سنتحدث عن " تقنيات متعددة الاشكال " تمارس من خلالها
السلطة ، وتقوم بعملها ، وهو ما يتحدث فيه كتاب " إرادة المعرفة " ، من هذه
التقنيات على سبيل المثال لا الحصر " تقنية القمع " وهى التقنية الاشهر والتقليدية
للسلطة ، و تقنية " الحض على الخطاب " وهى التقنية التى تقف فيها المعرفة
كأستثمار للسلطة لا كتعبير عن حقائق مطلقة ، و تقنية " تنمية نظام للمراقبة
" وهى التقنية التى تحدث عنها فوكو كثيرا فى كتابه " المراقبة والعقاب
" ، و تقنية " تميز وتصنيف الافراد
" وهى التقنية الاقصائية للسلطة والتى كانت محور كتاب فوكو " تاريخ الجنون
فى العصر الكلاسيكى " ، و تقنية " الفحص وانتزاع الاعترافات بفضول
" وهى من نوع تقنيات المراقبة ، و تقنية نشر الاعتقاد فى "جاهزية الاشباع
الجنسى فى الزواج " ، وتقنية " الخطاب
العلمى المعروف بعلم الجنس " وهما من تقنيات السلطة التى تستثمر فيها المعرفه
.
و
سوف نكتشف مع فوكو انه فى العصر الحديث تمارس السلطة عملها من خلال تقنيات عديدة يجتهد
ميشيل فوكو فى الكشف عنها وتسميتها لنكتشف معه انه "من التقنيات المسلطة على البشر ( ايضا وبشكل اعم ) علم الاجتماع ، الطب العقلى ، علم النفس ، الديموغرافيا
او علم السكان الاحصائى ، السياسة والاقتصاد ... ويترجم كل هذا الى ممارسات.....( سلطوية
) " [7] وهنا يمكننا الحديث عن طبيعة النظر عند فوكو تلك الطبيعة " ما بعد العلمية " اى " ما وراء
العلمية " أى الرافضة للعلم وخصوصا الانسانى
باعتباره قطعى الثبوت ، صادق النبأ ، متحكم فى الامور ، تلك الطبيعة ما بعد العلمية التى تبشر بالمعرفة النسبية ، العاجزة عن التنبأ
، التى يهمها الفهم و الانصات للامور لا التحكم فيها .
و السؤال الان : ما تلك السلطة التى يتكلم
عنها ميشيل فوكو والتى يمكن ان تحتل كل هذه الاشكال وتقبل كل هذه التقنيات ؟ لابد ان
تصورا ما وفريد جدا وغير مألوف للسلطة يقبع خلف كلمات ميشيل فوكو فى رسمه لاستراتيجيات
السلطة عبر كتابه "ارادة المعرفة " .
السلطة التى يقاربها ميشيل فوكو ويتحدث عنها
هى سلطة " فى كل مكان وفى لا مكان ، لا مركز لها ولا اطراف وتحكم قبضتها على كل
شئ وهى سيرورة بلا ذات وليس مفعولا لذات فردية او جماعية او تاريخية ، وحتى تم حذف
مفهوم الطبقة كفاعل تاريخى ، انها مفعول للمؤسسات : الاسرة ، السجن ، العيادة ، والمصنع
" [8]
نلاحظ
اولا : يقارب ميشيل فوكو سلطة لا مركزية على حد تعبير ريتشارد رورتى [9] و هو بالامر
الغير مألوف والذى يعد نوع من الفوضوية التى تعكس تأنق راديكالى منغمس على ذاته بتعبير
ريتشارد رورتى [10]، فالسلطة هى المفهوم المركزى
فى النظرية السياسية احد فروع علم السياسة ، السلطة كامنة فى الدولة كمفهوم مركزى واساسى
وضرورى يعكس السلطة . لكن فوكو يهتم اكثر بالسلطة النابعة فى كل الجسم الاجتماعى ،
ان فوكو يسمى لامركزية السلطة عنده التصور المجهرى الميكروفيزيائى للسلطة ، تصور يعكس
ما يدور فى البيوت والمدارس والمصانع والعيادات وليس ما يدور فى مجالس اعداد القرار
السياسى الواضحة . اذن خلاصة القول " لا يمكن الحديث عن مركز للسلطة او سلطة المركز
، فهى منبثة ومنتشرة فى كل مكان ، وفى داخل الجسم الاجتماعى برمته . وبهذا المعنى فالسلطة
غير منضبطة لحدود السياسى ،انها تتجاوز تخومه . " [11] يقدم فوكو سلطة غير سياسية
اى لا علاقة لها بعلم السياسة وان كانت استراتيجية وذكية جدا عند فوكو ، والاغرب من ذلك انها مفهوم جوهرى ومركزى ومحورى
فى فلسفة ميشيل فوكو كله فلا تجوز فلسفة فوكو دون حديث مطول عن السلطة ولكنه لا يندرج
فى علم السياسة ولا يهاجم الدولة فقط باعتبارها مركز السلطة . فالسلطة عند فوكو فى المركز رغم ان ليس لها مركز .
الملحوظة الثانية خاصة بتلك العبارة "
وهى اى - السلطة - سيرورة بلا ذات وليس مفعولا لذات فردية او جماعية او تاريخية ، وحتى
تم حذف مفهوم الطبقة كفاعل تاريخى ،" يفهم من ذلك ان ميشيل فوكو فيلسوف يفضل التعامل
مع البنى يرجح البنية وينشغل بها ولكن ذلك لا يعنى كونه بنيوى والا كان البرجماتيون
الجدد الذين يعتبرون الحقيقة صناعة من نسق اجتماعى ، بنيويون ايضا . ان الكلام يعكس
شيئا أخر هو لا قدرية ميشيل فوكو النابعة من
فوضويته ، ميشيل فوكو يرى المسيرة السلطوية سيرورة بلا ذات ولا عقل ولا فاعل
، فالسلطة المنتشرة فى الجسم الاجتماعى غير ثابته وغير مستقرة وتتحول من مكان الى اخر
. انها تعكس انطولوجيا البعثرة على حد تعبير ابن داود عبد النور ، على العموم ليس هذا
موضوعنا فى هذا الفصل اذ ان اللا قدرية والفوضوية هى سمات لاتجاه ميشيل فوكو الفلسفى
ككل .
كل ما فات لا يعنى اننا وقفنا على جوهر مفهوم
السلطة عند ميشيل فوكو لان جوهر مفهوم السلطة هو الفعل الخلق الابداع ، فقد جرت العادة
على ان السلطة هى الحكم والحكم هو المنع فلقد ارتبط التصور التقليدى للسلطة بالية واحدة
وتقنية باليه هى القمع وهو الحكم على الشئ بالمنع والاسكات ونفى الوجود والمنع الذى
هو ابسط من القمع والتحريم و العقاب الذى يستند اليهم التصور القانونى للسلطة .
لكن تصور فوكو الغير مألوف للسلطة هى ان السلطة
تبدع فى خلق تقنيات جديدة لها لان السلطة ليس الحكم القانونى والمنع القمعى بل هى الادارة
التى تخطط و توجهه وتراقب وتتحكم وتكون كوادرها ، ولكى تتحقق وظيفة السلطة الادارية
كان لابد لها من تقنيات ايجابية وفعل ايجابى وليس سلبى وقمعى ومنعى فقط .
ان السلطة هى التى ترسم للافراد حياتهم وفكرتهم
عن ذاتهم وعن امكانياتهم وقدراتهم وتخطط لحياتهم . ان السلطة ايجابية فعاله للغاية
تصنع حياتنا وتديرها ، كما يبدو الامر عند فوكو . والسلطة الفوكوية تمارس عملها من
خلال الاثر الاجتماعى اللامرئى حيث الوعد باللذة والامتثال لخطاب العقل والعلم والمعرفة
كما تلعب السلطة لعبتها ايضا من خلال كونها المرآه التى تشكل معرفة الانسان عن نفسه
وادراكه لها ان السلطة هى القوى الممارسة على الذات من داخلها معرفيا ومن خارجها ايضا
بالاثر الاجتماعى ، السلطة تهدد بالاتهام بالجنون بالمرض ( عقلى او بدنى او نفسى )
تعزلك اذا لم ترتدى جلبابها وتسلك انماطها وتصبح انعكاس لارادتها فيك انها تحيط بنا
من كل الاتجاهات تدجن العقول وتروض الاجساد
.
النقطة الاخيرة ( وهى نقطة تميز اتجاه فوكو
الفلسفى ككل وما يبدو اختلافا عن هابرماس فى العقل التواصلى ) فى تحليلنا هذا للسلطة ان السلطة غير اليفة اذ تحسم
الصراع دائما من خلال علاقات القوة لا وجود للتعاقد او التوافق او الاجماع او التواصل
او المناقشة بل هى غلبة الاقوى على الاضعف المهادن حتى يقوى ، فالصراع للقوى يعكس لدى
فوكو نيتشوية خاصة . فالمجتمع مبنى على الصراع
عند فوكو .
المهم هنا لا يوجد عند فوكو سلطة سلبية تكتفى
بدور القمع والحظر والنفى بل لابد للسلطة من ان تأخذ دور ايجابى فى التعامل مع الذات
, من خلال السيطرة المعرفية عليها , وهذا ما حدث مع تلك الرغبة للسلطة فى خلق الانسان
كانسان للرغبة الجنسية عبر الفكر الفرويدى وكل مدرسة التحليل النفسى , والذى اتخذ شكل
مؤسسات كمؤسسة الطب النفسى , ولم يقتصر دوره على مجرد خطاب نظرى بل ارتبط بممارسات
عيادية منتشرة داخل المجتمع تلك الارادة المتمثلة فى الفعل الايجابى للسلطة لتحويل
الذات الى ذات جنسية يسهل تنميطها ونمذجتها .
خلاصة القول يحتل مفهوم السلطة وجودا جوهريا
فى فلسفة فوكو ككل ( ليس باعتباره مفهوما يندرج
تحت السياسة الكبيرة macro politics وانما يندرج تحت مفهوم السياسة
الصغيرة micro politics وهو قيادة اى مجموعة او جماعة من الناس فى نطاق
العائلة او المدرسة او أى مؤسسة الصغيرة ..الخ وهو مفهوم اقرب للجسم الاجتماعى منه
للجسم السياسى ) و يفرق فوكو بادئ ذى بدء بين التصور القانونى للسلطة الذى يجعل كل
وظيفة السلطة هى الحظر ويعتبرها مجرد فعل سلبى قائم على المنع والرد والصد والرفض والقمع
من اعلى ومن الخارج ( يسمى فوكو هذه السلطة
بالسلطة السلبية negative power ) وبين السلطة التى يعنيها باعتبارها ذو اهداف
وغايات تسعى لتحقيقها عبر تقنيات ايجابية متعددة الاشكال , وهى سلطة اقرب ما تكون للسلطة
النابعة من داخل الذات على نفسها ( سلطة طواعية لا اكراهية ) وتكونت بالطبع عبر تقنيات
خارجية شارك فيها الجسم الاجتماعى كله فى محاولة لتنميط الذات واستلابها من داخلها , فهنا يمكن ان تكون
هذه السلطة بالاقناع وبالفعل الايجابى فى تشكيل خطابات معرفيه تحقق غاية السلطة الاصلية
.
وهنا وعند هذه النقطة بالتحديد ياتى الربط الفوكوى
بين السلطة والمعرفة power/ knowledge باعتبار السلطة تسعى دائما
لخلق وتأسيس خطابات معرفية تحقق مقاصدها وتروج لحقائق ( truth عند فوكو لا وجود لحقيقة وانما
تصنع الحقائق صنعا ) نابعة من السلطة ذاتها .
عصر السلطة البيولوجية
" ويظهر مفهوم السلطة الحيوية bio
power فى تاريخ
الجنسانية باعتبارها سلطة ايجابية نشأت فى القرن السابع عشر ومن ضمن اهدافها الاهتمام
بالتوزيع الديمغرافى والنسل وقوة العمل ويتكلم عن هذا النوع من السلطة بأسهاب فى الفصل
الاخير من إرادة المعرفة و المعنون ب " حق الموت والسلطة على الحياة " وهو
التحليل الاعمق لاستراتيجيات السلطة اذ يرى انه لزمن طويل فان حق الحياة والموت احد
اهم الامتيازات المميزة للسلطة المطلقة و ذلك مستمد من السلطة الابوية فى العصر الرومانى
التى تخول الاب حق التصرف بحياة اولاده وعبيده ، وقد استخدمه الملك عندما يتهدد وجوده
بخطر خارجى فيعرض بعض رعاياه بشكل غير مباشر
للموت بامرهم بالحرب لاجله ، اما اذا كان الخطر من الداخل فانه يقتله بشكل مباشر ،
وكان حق الموت والحياة مشروط بالدفاع عن الملك وببقائه الشخصى ، ويرى هوبز انه كان
يتمتع بهذا الحق حق الموت كل فرد فى حالة الفطرة
، حتى اصبح القتل حق نوعى ظهر مع التكون القانونى للملك ، حق لا متماثل حيث اقتل ولا
اعبر عن سلطتى عن الحياة الا بالقتل فالسلطة متعلقة بالاقتطاع السلب الاخذ الاختلاس
الاغتصاب ، فالسلطة حق استيلاء على الاشياء والوقت والاجساد واخيرا على الحياة وذلك
بالتحديد ما سيشير اليه ميشيل فوكو فى السلطة الحيوية او البيولوجية فهو يقول بانه
لم يعد الاقتطاع هو الشكل الرئيسى للسلطة بل الوظائف السلطوية متعددة حث وتعزيز وتدقيق
ومراقبة واضافة وتنظيم للقوى المخضعه له فالقوة هنا ايجابية منتجة تنمى وتنظم قوى اخرى
فالسلطة اصبحت تدير الحياة وتوجههها وفقا لمتطلباتها . هناك من يعارض هذا بقوله ان
الحروب كانت اشد دموية منذ القرن التاسع عشر وان المذابح التى وجهت ضد الشعوب من الحكام
لا مثيل لها ولكن الشعار المعلن للقتل فى هذا العصر يستمد شرعيته من الدفاع عن الحياة
حياة الشعب ، اقتل الان لاعيش كشعب وليس الملك وكذلك نلاحظ تقويض عقوبة الاعدام وجعلها
لخطر على الحياة ذاتها خطر بيولوجى على الاخريين ، لذا فان اشد ما يقلق هذه السلطة
الحيوية هو الانتحار لذا تم تجريمه لانه يشهد على فردية وخصوصية الحق فى الموت .
فيقول محمد صفير " أذ استبدل الحق القديم
فى اخذ او انتزاع الحياة الموت بالقوة الداعمة للحياة والمانعة للموت ؛ وصارت السلطة
تؤسس ولايتها على الحياة لا الموت وبذلك انقلبت الامور بحيث أصبح الموت حدا على ممارسة
السلطة " [12]
فمشروعية السلطة السياسية اصبحت مؤسسة على
جودة سياستها الحيوية التى تمارس على السكان عبر اليات علمية بيولوجية , فيتم ترويض
وتعزيز القوى وتوزيعها وتكييف الطاقات واقتصادها , تأسست هذه السلطة الحيوية اى تنظيم
السلطة فوق الحياة لا الموت على الحياة باعتبارها
انجازات للجسد تشريحيا وبيولوجيا اى
بعبارة اخرى ليس القتل بل استثمار الحياة
قطبى
السلطة الحيوية هما :
السياسات
التشريحية :
للجسد
البشرى اى النظر للجسد كالة يتم ضبطها وتعظيم
قدراتها واستخلاص طاقاتها مع الاخذ فى الاعتبار الزياده من ليونته ومرونته واخيرا تستوعبه
فى نظم التحكم الاقتصادى ، اى بعبارة اخرى تروضه و تزيد قدرته وتنتزاع قواه فى نمو
مع انتزاع فائدته وطواعيته ودمجه فى انظمة مراقبه ( عائلة جيش مدرسة شرطة طب فردى وادارة جماعات
تمثل فيها عوامل فرز وتدريج اجتماعى وتوزيع تفاضلى للسلطة ) فعاله لصالح جعله اكثر
فائدة اقتصادية . فيقول فوكو ان الراسمالية لم تتأمن لولا مراقبة
الاجساد فى جهاز الانتاج وتكيف الظواهر السكانية مع التطور الاقتصادى فقد كانت بحاجة
دوما لزيادة القوى والكفاءات دون ايجاد صعوبة فى اخضاعها ( لابد من استثمار الجسم الحى وتثمينه وادارة
قواه على نحو توزيعى) وتم ذلك عن طريق خلق
معرفة تصنع النوع الانسانى فى مقولة علمية ( بلسان فوكو اخلاق جديدة مرتبطة بالراسمالية تحط من قيمة الجسد
فهى تعلم الانسان الغربى ماذا يعنى ان يكون
المرء كائنا حيا فى عالم حى وان يكون له جسد وشروط للعيش واحتملات للحياة وصحة فردية
وجماعية وقوى يمكن تغييرها وحيز يمكنت توزيعه فيه فانعكس الشأن البيولوجى فى الشأن
السياسى واصبح الحلم الملقن لكل الافراد الرخاء والعيش فاذا كان ارسطو قال بان الانسان
حيوان حى وفوق ذلك قادر على ان يكون له وجود سياسى فان الانسان الحديث حيوان تدخل حياته
ككائن حى فى صلب سياسته وبالطبع ينتقد فوكو ذلك متسائلا اين خصوصية وتميز الانسان عن
الكائنات الحية و كأن الحى يتوزيع فى ميدان قيمى ومنفعى فالسلطة تصف وتقيس وتقوم وتسلسل
المراتب تجرى توزيعات حول المعايير وتدمج القانون واجهزة طبية وادارية اخرى لتراقب
السياسة التشريحية .)وبالتالى تعزل اجتماعيا كل من يخرج عن النمط المرسوم للممارسة
كهسترة الذين يحيدون عن هدف الممارسة الجنسية للنسل واعتمدت على الممارسات الاعترافية
فى الطب النفسى لتحقيق ذلك وهذا على سبيل المثال . كان هدف ممارسة السلطة فى السياسة
التشريحية هو جعل الجسد لينا بمعنى استبدال الحركات الجامدة وغير المقصودة من اجل القيام
بعمليات محددة لها ترتيبها ومراحلها وسرعتها .
والسياسات
الحيوية :
ترتكز
على الجسد مزود بعمليات حيوية . الجسد فى الجنس البشرى مخترق باعتباره كائن حى يرتكن
لركائز بيولوجية تكاثر ولادة وفيات مستوى صحى معدل الحياه التعمير و القطب الثانى للسلطة
الحيوية كان من خلال تحقيق السلطة الانضباطية disciplinary
power وهى
صيغة اشراف ومراقبة تزرع داخل كل فرد تضبطه من الداخل هدفها انتاج الفرد المطيع تشرف
على الجسد وتراقبه من خلال سلسلة من التدخلات فى الميلاد والوفاه وفى مستوى الصحة وفى
العمر المتوقع وطوله وقد تولدت عن التجميعات المختلف وقد كان الجنس كموضوع رهان سياسى
و كجاهزية جنسانية محور للسلطة الانضباطية
والمثال على لسان فوكو منعقد فى تنظيم السكان مراقبة ورقابة وترتيبات وفحوصات نشر الاعتقاد
حول الجنس هو منفذ لحياة الجسد والجنس البشرى ،ملاحقة ومطاردة للتصرفات حتى فى الاحلام
والحماقات وتلاحق الانسان حتى فى سنوات طفولته
الاولى ،الحث على الانجاب او لجمه اصلاح اخلاقى
، تحسيس بمسئولية استخدام التقنيات الانضباطية والاساليب التنظيمية ، جنسنة الولدان
لصالح راشدين اصحاء وهسترة النساء لصالح مسئولياتهم كامهات ،الطبننة النفسية للانحرافات
.
ما يحدث فى اعتبار فوكو هو تنظيم لمناطق الاثارة
الجنسية فى الجسم الاجتماعى ، يتم الاكتفاء من الجنس فى وظيفته التناسلية والبيولوجية
( عضو ..غريزة... غائية... نتائج بلا ركيزة
....فروع بلا اصل .... فى النهاية جنسانية بلا جنس (عملية اخصاء ) تعبيرات فوكو . وهنا
تبدو الجنسانية كجاهزية سياسية فى مقابل الجنس وهنا يتسأل فوكو هل الجنس هو واقع ظاهرات الجنسانية ام انه اكثر
تعقيدا هو يرى – أى فوكو - الاحاسيس والملذات
ليس اجساد واعضاء ومواضع بدنيه بل شئ له خصائصه الذاتية وقوانينه الخاصة التى
تحولت على يد جاهزية الجنسانية لهسترة وتربنة
وطبننة ، فالجنس تشابك بين وظيفة وغريزة وغائية ودلالة ، فهم الغريزة الجنسية اهم من
الفعل الجنسى الرتيب الجنسانى المجمعن فى التصرفات الانجابية فالجنسانية صورة واقعية
اوجدت مفهوم الجنس كعنصر تجريدى ضرورى لعملها بعيد عن الجنس الحقيقى كعنصر خفى واساسى مولد للمعنى وقد كان فرويد فأل حسن عندما اخضع الجسد
للرغبة وليس جزء من الجسد يشكل رمزيا كل الجسد
يردد
فوكو مع كيت فى قصيدته الحياة ذات الريش :
كل شئ
هو جنس كل شئ هو جنس وكم يمكن ان يكون الجنس جمنيلا عندما يبقيه الانسان قويا ومقدسا
وعندما يملا الدنيا فهو كالشمس الذى تغمركم وتنفذ اليكم بنورها
ولسان حال فوكو يقول جنس لا جنسانية . فجهاز
الجنسانية احد اهم هذه الترتيبات التى ايدت السلطة الحيوية بحملها لافكار حول التكتيك
والتدريب والتربية وتنظيم المجتمعات والضوابط السكانية و الفكر الديموغرافى وعلم السكان
انه اعداد منظم للجسم الاجتماعى ليس كفعل نظرى
وانما كترتيبات حسية.
خلاصة القول : واخيرا يناقش فوكو فى الفصل الخامس
حق الموت والسلطة على الحياة باعتباره كان حقا اصيلا للملك , فهو الذى يعدم او يامر
بالحرب واصبح بعد ذلك للقانون , وهذه السلطة ( سلطة حق الموت والسلطة على الحياة )
اصبحت ضمن سياسة حيوية تمارس على السكان ذاتهم عبر اليات علمية بيولوجية , فيتم ترويض
وتعزيز للقوى وتوزيعها وتكييف للطاقات واقتصادها , كل ذلك يمارس من المجتمع او السلطة
المنبثقة فيه على الجسد الانسانى , الذى يقال
عنه انه ملك للانسان ولكن نرى غير ذلك فقد اخذت السلطة هذا الجسد وطوعته لخدمة مصالحها
وهى سلطة نابعة من عمق الجسم الاجتماعى ومن الصعب بمكان مقاومتها .
واخيرا يقول فوكو " ان جاهزية الجنس ,
يخلقها ذلك العنصر الوهمى الذى هو " الجنس " , اوجدت احد مبادئ عمله الداخلية
الاساسية : الرغبة فى الجنس – الرغبة فى امتلاكة , الرغبة فى الوصول اليه , فى اكتشافه
وتحريره والتعبير عنه خطابيا وصياغته كحقيقة فقد كونت الجنس ذاته كشئ مرغوب فيه . ومرغوبية
الجنس هذه هى التى تبلغ كل منا الامر القاضى بمعرفته واكتشاف قانونه وسلطته وهذه المرغوبية
هى التى تجعلنا نعتقد باننا نؤكد حقوق جنسنا فى وجه كل سلطة بينما هى تقيدنا فى الواقع
بجاهزية الجنسانية التى صعدت من اعماق ذاتنا وهج الجنس الاسود وكأنه سراب حيث نظن اننا
نتعرف على انفسنا " [13]
خلاصة القول وبصيغة اخرى الجنس هو ما نريده
؟ هذا الوهم كرسته السلطة التى هى الجسم الاجتماعى ككل فينا , حتى تضمن ولائنا , وزادت
على ذلك بانها وضعت الجنس فى نظام ثنائى ما هو مرغوب وما هو غير مرغوب وليس ما هو غير
المرغوب يتم التعبير عنه قانونيا بل بالاقناع والتاثير فهو سيئ مرضى ممرض مميت خطر
غير ذى لذة لن يفيد غير موجود الا هناك فى تلك البقاع السوداء المنعزلة الغير طبيعية
, والعلم المعرفة تخدم فى هذا الصدد , والحقيقة تصنع على هذا النحو .
ان ما يخاطبه فوكو هو اخلاق تنبع من الذات بحرية
تامة لتخلق وجود خارجى متميز لهذه الذات , ولا يتحقق ذلك الا فى اجواء من الحرية التى
تستطيع ان تمارس فيها الذات اخلاقها اى دون جسم اجتماعى ضاغط وسلطة تخلق معرفة حول
الذات تقيد فى خلالها الذات فى بعد واحد لها هو الجنس , من الهام بمكان ان نفضح تلك
السلطة ونكشف عن الياتها ولكن الاهم من ذلك فى وجهة نظرى هو ان نسائل عن الموقف الذى
ينبغى ان تأخذه هذه الذات من السلطة المتخللة فى خطاباتنا المعرفية لتبنى ذاتها وسلوكها
فى هذا العالم وهو ما لم يتحدث عنه فوكو حتى الان واكتفى بكشف اليات واستراتيجيات السلطة
كخطوة اولى لمقاومتها بعد .
موقف فوكو فى تقنية السلطة السلبية المتمثلة
فى القمع ؟ يعرض فوكو مضمون الخطاب الغربى المعاصر حول الجنس
الذى هو " الفرض القمعى" : فلسان حال خطاب الغرب المعاصر حول الجنس هو انهم
يقولون نحن الفكتوريين : فيبدأ ميشيل فوكو بالاقرار التالى : تحملنا ومازلنا نتحمل (فى اطار الثقافة الغربية المتهمة من الخارج
بالانحلال الجنسى ) ! نظاما فيكتوريا ! النظام الفكتورى هو نظام ينزع
للتطهر ، هو نظام يحكم على الممارسة الجنسية أو كل قول أو فعل يقترب من هذه المنطقة الحساسة فى الخبرة الانسانية
حكما لزوميا واجب التنفيذ بالنفى و الحبس وتاكيد عدم الوجود من الاصل . أى انه نظام
قمعى يحكم على الجنس بالزوال وعدم الوجود ويسكت عنه تماما . اللهم الا فى الاعتراف
الضمنى بالوظيفة الوحيدة الجادة للجنس وهى الانجاب والتكاثر البشرى ( لذا اعتبر العقيم
او مستخدم الجنس لذاته شاذا )، او الاعتراف
بالدعارة فى دوائر الاقتصاد وجنى الارباح على اعتبارها ممارسة شاذة وهامشية
وغير مشروعة ( يقر فوكو بان بعض التسهيلات
اعطيت لاعمال الجنس غير المشروعة فى دوائر
الاستثمار وجنى الارباح ) وهو – اى ذلك النظام الفكتورى – باتخاذه للجنس كمحرم وتابو
يحتقر ايضا الجسد ويحرم كشف الاجساد . هذا النظام لم يكن موجودا قبل بداية القرن السابع
عشر فى الثقافة الاوربية .
هل
العلاقة بين السلطة والجنس مجرد قمع ؟
أى ان صيغة العلاقة بين السلطة والجنس هى القمع
وتاريخ النشاط الجنسى تتابع لقمع متنامى (
و للقمع خصائص تميزه عن المنع فيعمل القمع كحكم على الشئ بالزوال كالزام وتاكيد لعدم
الوجود ، لاشئ يجب ان يقال او يشاهد او يعرف
، اى ان الجنس فقد وجوده وحقه فى الوجود ،
فهو مطرود محذوف محكوم عليه بالصمت غير موجود
وعليه الا يوجد اى فرض صمت شامل ومطبق اى تحريم. ) ويفسر ذلك على ان النظام البرجوازى
حرص على الا تتشتت قوة العمل فى الملذات مع الاعتراف بحد ادنى يسمح بالتكثر لتجديد
قوة العمل " مع صعود البرجوازية فى القرن السابع عشر حبس الجنس فى مكان واحد معترف به هو غرفة الابوين اى ان العائلة صادرته
واستوعب فى وظيفة الانجاب الجادة "، فالنشاط الجنسى محكوما عليه اذن بالتحريم
و المنع وعدم الوجود والخرص حوله ومجرد الكلام عنه يضعنا خارج حدود السلطة
ثانيا
: الكشف عن مصالح هذا الخطاب " ربح المتكلم "
يرى فوكو ان الحديث عن الفرضية القمعية كان
اكبر الية لانتاج خطاب اكبر حول الجنس ، وكأنه عملية جلب الجنس للثقافة بدعوى طمسة
وقمعة فى التاريخ ، فوضع الجنس فى خطاب تحريضى ، فخطاب عصرنا حول الجنس يترابط فيه
الجنس وكشف الحقيقة وقلب قانون العالم والاعلان عن قدوم يوم اخر والوعد بنمط من انماط
السعادة فهو اشبه ما يكون بتبشير ووعظ ، لسان حاله يقر التحدث ضد السلطات ، قول الحق
، الوعد بالمتعة ، الربط بين نور الحقيقة والتحرر والمتع الكثيرة ، فهو انشاء لخطاب
تجتمع فيه الرغبة فى المعرفة وارادة تغيير قانون والامل فى دخول فردوس الملذات، يتسال
فوكو عن الارادة والنية الاستراتيجية التى
تحملنا على تانيب النفس على النفاق والصمت ، ومهاجمة السلطة القامعة للجنس ، والتحرر
من القوانين ، لماذا نقول اننا مقموعون بمثل هذا الاصرار ، فالمجتمع الغربى اصبح مجتمع
يؤنب نفسه على نفاقه ، ويتحدث مطولا عن صمته ،
لماذا ندين انفسنا الى هذا الحد لاننا صنعنا من الجنس خطيئة فيما مضى ،اى ندين
انفسنا لاننا جعلنا الجنس مدانا .
ان عرض الامور بمثل هذه الطريقة "
" القمع منذ العصر الكلاسيكى يشكل صيغة العلاقة الاساسية بين السلطة المعرفة والجنس
" واننا عندما نتحدث عن الجنس ندفع ثمن باهظ و نخالف القانون ، ونلغى المحرمات
، ونكشف الحقائق ، ونعيد اللذة لمكانها فى الواقع، وان ولادة القمع تتزامن مع نمو الراسمالية
بحيث يصبح القمع والبرجوازية جسما واحدا ،
عرض الامور بهذه الطريقة ربط لقضية الجنس بمشروع سياسى يدين الراسمالية البيرجوازيون
يريدون ضبط الحديث عن الجنس فى حين يرفض ذلك الارستقراطيون
ولا يمكن فى نظر فوكو ان نتحرر من هذا الكبت
بواسطة تلك النظرية التى تدعونا للتعلم بانفتاح اكثر عن النشاط الجنسى نتكلم عنه ونستمتع
به ، فهذا الخطاب باعتباره ثورة على النظام القمعى منطلق من الفرض القمعى يضع فى اولوياته
التحرير السياسى قبل التحليل الفكرى ، فالاهمية
لهذا النوع من الخطاب اهمية ثورية تعتبر مجرد حديثنا عن الجنس وصول لقمة التحرر الشخصى،
فهو يعد باسلوب حياه اكثر حرية و يبدو نوعا من الوعظ .
ويتمنى فوكو ان يضع خطاب مفارق لهذا الخطاب ،
برغم تأيده للفرض القمعى ، فلا ينتهى الخطاب عند غاية مناقشه صريحة ومفتوحة بل تلك
هى البداية
الفائدة
السياسية من الفرض القمعى
يطرح
فوكو 3 اسئلة او شكوك عن الفرض القمعى
1
– هل هو تتبع تاريخى دقيق لما نسميه كبت جنسى منذ صعود البرجوازية فى القرن السابع
عشر اى هل قمع الجنس بداهة تاريخية واضحة
2
– هل السلطة فى مجتمعنا يمكن ان تعبر فعلا عن ما يخص الكبت حظر رقابة انكار دفاع رفض
رقابة اليه السلطة التى تمارس فى مجتمعنا فى جوهرها ذات طبيعة قمعية
3
– هل خطاب اليوم عن النشاط الجنسى يفكك هذا التاريخ القديم للكبت ام هو جزء من نفس
التاريخ الية سلطوية تعمل عليه هل ثمة قطيعة بين عصر القمع والتحليل النقدى للقمع
فوكو لا يهتم بالنشاط الجنسى فى حد ذاته بل
برحلة هذا النوع المعين من المعرفة فكيف ولماذا اعتبر النشاط الجنسى هدف للمناقشة
فالرغبة الجنسية فى قناعة ميشيل فوكو اكثر اشكال
الرغبة ندرة وصعوبة فى الادراك الحديث عن الجنس من خلال الفرضية القمعية يرتبط بنوع
من الخطاب المعاصر ذو الصبغة التبشيرية والدعوية التى تتحدث عن الجنس باعتبار ذلك عصيان
مقصود للسلطة , وتربط تلك الخطابات بين الجنس والحقيقة والتحرر السياسى , وقد صاغ فوكو
شكوكه حول تلك الفرضية فى ثلاث اسئلة : هل قمع الجنس بداهة تاريخية واضحة ؟ هل السلطة
فى جوهرها ذات طبيعة قمعية ؟ هل هذا الخطاب المعاصر حول القمع يجابه السلطة ام انه
ضمن الياتها ؟
وفى الفصل الثانى من كتاب ارادة المعرفة ( الجزء
الاول من كتاب تاريخ الجنسانية ) المعنون ب
" الفرضية القمعية " يجيب فوكو على الاسئلة الثلاثة عبر طريقين : فهو يرى
ان السلطة قد حضت على الخطاب حول الجنس اذ حدث فى الثلاث قرون الاخيرة ( نطاق عمل الفرض
القمعى ) انفجار خطابى حول الجنس وقد ساندته السلطة ويبدا هذا الخطاب مع تقنية الاعتراف المسيحية , ثم انتشار
الادب الفضائحى , وظهور علم السكان بكل خطاباته حول الانجاب والصحة و الجنس , وكذلك
يظهر خطاب التحليل النفسى الفرويدى ,
نعود لحديث محمد صفار " اولا يرى فوكو الجسد
ككيان مركب من طاقات ورغبات وتتمتع بالقدرات التى تجعله موضوعا للقوة السلطة التى تقوم
بتنويع تلك القدرات الجسدية وخلق اشكال للذاتية المضافة اليه ذلك ان السلطة تمارس على
الجسد عن طريق الاستبطان حينما يتم تحرير علاقات القوة الى الطرف الاخر لذلك السطح
الذى تمارس عليه ويصبح من يخضع لها ويعوقها وياخذ على عاتقه القيود التى تفرضها ويجعل
تلك القيود تلعب بتلقائية عليه وهو يحفز بداخله علاقة القوة التى يلعب فيها كلا الدورين
المسيطر والمسيطر عليه فى ان واحد ويصبح اداة رئيسية فى عملية الاخضاع
وينتج كأثر عن عملية الاخضاع الذاتى تكوين ضمير
مستقل ،الذى هو فى الحقيقة القدرة الذاتية على التحكم فى الحركات ومن هذا الضمير او
الوعى او الاستقلالية ،على وجه التحديد تتولد المقاومة
ثانيا ينظر فوكو للجسد لكونه مستودعا للذائذ
والرغبات باعتباره مجالا تستعرض فيه العلاقات الحلزونية بين القوة واللذة نفسها . فما
الذاتية كنمط للسلطة سوى تصنيف لقدرات الجسد وترتيبها وتكملتها بما يمكنا من الاتيان
باعمال معينة ،تتم اضافتها للجسد ذى الطبيعة الديناميكية المتمردة بهذا المعنى تولد
الذاتية المقاومة لانها تعيق استخدام وتنمية بعض الاجساد لقدرتها فى اتجاهات معينة
ويوصف هؤلاء الافراد بانهم غير طبيعيين او شواذ فعن طريق الاتصال بالجسد ومداعبته تقوم
السلطة باستثارته جنسيا وبذلك تعيق استيطان القوة وتسد عملية desecualization
و نتيجة لهذه النظرة للجسد سوف يتسنى لفوكو
ان ينطق بمقولته الشهيرة لا توجد علاقات للقوة دون مقاومات حقيقية وفعالة لانها اى
تلك المقاومات تتشكل بالظبط فى تلك النقاط التى تمارس علاقات القوة عندها ولذلك تتسم
نقاط الصراع بين السلطة والمقاومة بانها مستعرضة فهى ليست محصورة داخل حدود بلد ما
كما انها فورية حيث انها تبحث عن العدو القريب وليس العدو الرئيسى فضلا عن انها لا
تسعى لايجاد حلول عن طريق المشروعات اليوتوبية وتثير الصراعات القائمة تساؤلات حول
هوية الافراد المحكومين بعلاقات القوة من خلال توجيه الهجوم صوب كل ما يربط هؤلاء الافراد
بالهويات المقيدة لهم والتاكيد على حقهم فى ان يكونوا مختلفين وبكلمة واحدة تدور تلك
الصرعات حول سؤال من نحن ويجعل تكاثر نقاط المقاومة التى تتوغل فى الكيانات الاجتماعية
والوحدات الفردية ونمط علاقات القوة الحاكمة لها من الثورة امرا مكمكنا فليست الثورة
سوى نمط مختلف لعلاقات القوة عن ذلك الخاص بالدولة لذا فهناك انتواع شتى من الثورات
بمقدار التنويعات الممكنة لعلاقات القوة القائمة
[1]
ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية : الجزء الاول : إرادة المعرفة , ترجمة جورج ابى صالح,
ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدى, مشروع مطاع
صفدى للينابيع – مركز الانماء القومى, بيروت , 1990 . ( أعتمادنا الأساسى كان على هذه النسخة العربية المترجمة عن الفرنسية )
[2]
صفحة http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%82%D8%AF_1970 ديسمبر 2010 .
[3]
صفحة http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9_%D8%AC%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9
ديسمبر
2010
[4]
مجلة بيت الحكمة (مجلة مغربية للترجمة فى العلوم الانسانية ) العدد الاول ابريل 1986 ص 4 .
[5]
عبد الوهاب بوحديبة : الاسلام والجنس , ترجمة
هالة العورى, مكتبة مدبولى 1986 .ص 338 .
[6]
مجلة بيت الحكمة (مجلة مغربية للترجمة فى العلوم الانسانية ) العدد الاول ابريل 1986 ص77 . تناول فوكو بالتحليل
هذه الارادة التى جعلت من الجنس والنشاط الجنسى مركزا للثقافة الغربية فى كتاب ارادة
المعرفة حيث اصدرت الثقافة الغربية خطاب معرفى
عن الجنس يضع الجنس فى مكان السر الكبير الذى يمكن ان نساله عن ماهيتنا الانسانية ومن
خلاله يتم تفسير كل شئ . ونجده فى حوار نقل الى العربية بواسطة مصطفى كمال ونشر تحت
عنوان لا لسيطرة الجنس يحاول ان يناهض الثورة الجنسية او على الاقل ينفى مسئوليته عنها
فى مجلة بيت الحكمة العدد الاول ابريل 1986 ص 61 – 76 .
[7]
معزوز عبد العالى : فوكو وميكروفيزياء السلطة ،اوراق فلسفية ، عدد26 ،2009-2010 ،ص
179 .
[8]
معزوز عبد العالى : فوكو وميكروفيزياء السلطة ،اوراق فلسفية ، عدد26 ،2009-2010 ،ص
-180179 .
[9]
اقدم لك فوكو ص 176
[10]
اقدم لك فوكو ص 176
[11]
معزوز عبد العالى : فوكو وميكروفيزياء السلطة ،اوراق فلسفية ، عدد26 ،2009-2010 ،ص175 .
[12]
محمد صفار : فوكو والثورة اعادة فتح الملف الايرانى ، اوراق فلسفية ،عدد26 ،2009 2010 . ص9 .
[13]
ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية : الجزء الاول : ارادة المعرفة , ترجمة جورج ابى صالح,
ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدى, مشروع مطاع
صفدى للينابيع – مركز الانماء القومى, بيروت , 1990 . ص156
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق