" تنميط الذات وقولبة الاخلاق "
بقلم
: أحمد حمدى حسن حافظ
ثمة اربع اساليب او تقنيات استخدمتها السلطة
المستثمرة فى المعرفة ، فى مجال المماراسات الجنسية ، من اجل تذويت الاخلاق الجنسية
وجعلها تزهدية ، او بعبارتنا نحن تنميط الذات وزرع الأخلاق فيها :
الاسلوب
الاول : التخويف فى الجسد
" ان الشباب المصابين بفقدان المنى
" يحملون فى ديدن الجسد كله علامات الوهن والشيخوخة , فهم يصبحون جبناء , بلا
قوة , مخدرين , بليدين , منهارين , محدبى الظهر , عاجزين عن كل شيئ , ذوى سحنة باعتة
, شاحبة ومتخنثة , عديمى الشهية والهمة , ثقيلى الاعضاء , متخدرى السيقان , ذوى ضعف
شديد , وباختصار يصبحون ضائعين كليا تقريبا . وهذا المرض هو حتى ,عند الكثيرين ,انسياق إلى الشلل ؛ بالفعل
, كيف لا تتضرر الطاقة العصبية وقد اضعفت الطبيعة الانسانية فى المبدأ التجديدى وفى
مصدر الحياة عينه ؟ ان هذا المرض " المخزى بحد ذاته " وهو "خطير للحيوية
لكونه يؤدى الى الضوى
,المضر بالمجتمع ,لتعارضه مع تكاثر الجنس البشرى ؛ولانه ,من جميع النواحى ,مصدر عدد
لا يحصى من البلايا , فهو يستلزم اسعافات عاجلة " "[1]
عدة وساوس غذاها الطب والتربية منذ القرن
الثامن عشر حول الاستهلاك الجنسى الصرف – الذى لا خصب له ولا شريك .
هذ الخوف قديم يكشف عنه فوكو فى الفكر
اليونانى حول الجسد والحمية , فكم ذا من الحبر الذى اريق على الورق لنشر و توزيع حقائق
طبية عن الجسد والجنس , والحمية والجنس , كان الهدف الاساسى لها هو عملية تخويف مستمرة
من الجنس وممارسته .
و
تميزت هذه النقطة بالتحديد بالتركيز على الجنس باعتباره عملا كميا اذ تم التحذير من
الافراط على وجه الخصوص كما يتميز بالدورة او القطبية اى التفريق بين الرجل والمرأة
فقد تم اعتبار الرجل هو صاعب المجهود الاكبر والمرأة لا تنهك وتظل تثير الرجل فهى موطن
الغواية التى تعود بنتائج سلبية على الجسد وبحمية ومرض له .
هذه
النقطة بالتحديد يفرض لها فوكو مساحة كبيرة نسبيا يقوم فيها بتحليل نصوص طبية من العصر اليونانى تخدم هذه الفكرة
وهى فكرة التخويف , و ايضا التفكير القطبى حول الرجل ودوره الاكثر ايجابية فى العملية
الجنسية وهى فكرة تهم الفلسفة النسوية على وجه التحديد من فوكو .
الاسلوب
الثانى : الترسيم السلوكى : فى الزواج
هو تحديد الادوار ورسمها بشكل يجعل ما هو
خارج عن هذا التحديد غير مقبول اجتماعيا , وقد تم تحديد الادوار الاجتماعية بالاستناد
للادوار الجنسية وليس باى ادوار جنسية بل للادوار الجنسية بين الزوج وزوجته , فالجنس
تم استثماره فى مؤسسة الزواج وتم التكريس لقيمة الوفاء الزوجى باعتباره امرا طبيعيا
يشاركنا فيه الحيوانات جميعا فما من حيوان غير وفى لزوجته , انها عملية ترسيم للسلوك
, ويتحدث عنها فوكو فى حديثه للنصوص التى رغبت فى الزواج واعتبرته المكان الوحيد للمارسة
الجنسية الطبيعية .
كما تحدث عنه فى الاقتصاديات اى اقتصاد الممارسة
الجنسية على الزوجة فقط , وكذلك ربط هذا بالادوار الاجتماعية للذكر والانثى . فالاسرة
تتضمن نظام سلطوى معين يتحدد بمركزية سلطة الاب باعتباره قائد ومحرك الاسرة ومن ثم
دور الام التربوى والرعوى للاسرة ودور الابناء فى الطاعة والامتثال والرعاية للوالدين
واحترامهم , كل ذلك يتم تكريثه داخل الافراد بتقنية الترسيم السلوكى , ليخدم بناء المجتمع
الذكورى ويصبح الاب هو القائد على العموم والذى ينبغى احترامه والامتثال لاوامره .
ولا سبيل للجنس الذى هو احتياج بشرى كالطعام والشراب
الا من خلال الاسرة التى هى مؤسسه لها قيمها التى تخدم اهداف السلطة عموما . من هنا
كانت اشكالية فوكو مع الزواج باعتباره عملية تنميط للجنس بما يخدم اهداف السلطة وليس
بما يخدم تحرر الافراد منها .
الاسلوب
الثالث : رسم الصورة : فى الغلمان
تم رسم صورة ما للعلاقة الجنسية على انها
علاقة بين رجل وامرأة وتم التجاوز عن العلاقات اللواطية والسحاقية رغم انتشارها فى
المجتمع ان ذلك ، يحلل فوكو نصوص العصر اليونانى
الذى رسمت هذه الصورة وروجت للعلاقة ثنائية الجنس باعتبارها من طبيعة الامور ، بل اعتبرت
الجنس بين اثنان من نفس النوع جنس غير حقيقى وغير مكتمل . الى ذلك الحد كان رسم الصور
احد اهم تقنيات السلطة لفرض رغبتها على الافراد .
الاسلوب
الرابع : الحقيقة والنموذج التزهدى " البطل "والحرية . فى الفلسفة
معظم الابطال لا يهتمون بالجنس وذاهدين
فيه تماما , ومعظم من ارادوا الحقيقة وسعوا لها سعيها , اعلوا فى انفسهم الرغبة الجنسية
, هذا قد تم الترويج له وصنه فى خطابات معرفية للعصر اليونانى , كما ساد الاعتقاد بان
الشخص الذى يسعى وراء الجنس واشباع رغبات الجسد عبدا لشهواته لا يملك حرية اتخاذ قراراته
وان المطلوب هو الاعتدال وضبط النفس وهذا لايتحقق الا من خلال ادارة علاقة صراعية مع
النفس يسوده موقف هجومى وعبارات انتصار وهزيمة , فاليونانين قد وضعوا للرغبة مصطلح
الافروديزات للتعبير عن الشهوة وطالبوا باستعمالها بالشكل اللائق من خلال ضبطها بالحاجة
و الوقت والوضع الشخصى ومن ثم ضبط النفس والاعتدال وقد اكسبوا هذه القيم طابع رجولى
حيث تم هسترة جسد المرأة ككل واعتبارها موطن الشهوة وعلى الانسان الذى يبغى الحرية
والاعتدال التزهد عنه والترفع عنه .
عبر الاساليب الاربعة تم تنميط الجنس من
خلال السلطة المستثمرة فى خطاب وتم قولبة الاخلاق المتعلقة به فى الاعتدال والوفاء
والتزهد وربط التزهد بالحرية والخوف من المرض والحفاظ على صحة الجسد وارتباط الجنس
بالادوار الاجتماعية ... الخ . من اليات التنميط التى تتبعها السلطة بحيث يصبح الخروج
عن النمط وكسره امرا غير طبيعيا وغير معتاد ومن هنا كان قمع الذات فى مجال تعتقد فيه
الذات انها حرة تماما الا وهو مجال الجنس .
مقاربة
وصفية لكتاب " استعمال اللذات "
تأخر الجزء الثانى من تاريخ الجنسانية و المعنون
ب"استعمال اللذات " ، مما أدى إلى كثرة التأويلات حول كتاب فوكو ونيته فى
الأجزاء التالية باعتباره تاريخ للممارسات الجنسية ، وهو ما أضطر فوكو لنفيه بادئ ذو
بدئ فى التعديلات التى سبقت فصول كتابه الثانى من تاريخ الجنسانية ، ان فوكو انتقى
النشاط الجنسى دونا عن كل النشاط السلوكى للانسان عموما ، لانه النشاط الذى يعتقد بانه
ميدان للخصوصية ، وهو الميدان الذى يثبت فيه فوكو ان السلطة هى أول من يدخل فى صياغته
.
ولذلك بدء الكتاب بمدخل يوضح غاية الموسوعة ككل
ينقسم الى ثلاث اجزاء عنون الجزء الاول ب"تعديلات " وهو 7 صفحات من النفى
للشائعات حول نية فوكو ثم تلاه الجزء الثانى " أشكال الطرح المسألى " وهو
7 صفحات ايضا يؤكد فيه هدفه فى فضح تقنيات السلطة فى التسلط ،والجزء الثالث "
الاخلاق و المران الذاتى " وهو 6 صفحات وهو يوضح فيه كيف اصبحت الاخلاق رياضة
روحية وتزهدية من اجل تقويد الممارسة الجنسية وهذا فى اوجه ازدهار الفلسفة فى العصر
اليونانى .
ثم
يبدأ فوكو فى الفصل الأول فى بلورة الطرح حول
تقنيات السلطة لقمع الذات بعنوان "طرح المسألية الاخلاقية للذات " بتمهيد
صفحتان ثم يبدأ بالافرويديزيات و فوكو يكسب هذا المفهوم خصوصية باعتبارة رغبة الذات
فى اللذى والجميل ، وهى هدف فى حد ذاته للذات وهذا ما يوضحه فوكو فى جزئيته المعنونه
بالافروديزيات ولكن يتم استغلاله من قبل السلطة وهو الموضح فى جزءه المعنون بالاستعمال
ثم يتحدث عن ضبط النفس كمتابعة للمران التذهدى الاخلاقى ويتحدث عن تلك المفارقة عن
تحرير الانسان من عبوديته للجنس او من رغبته الجنسية حتى يستطيع بلوغ الحقيقية وكم
ان هذه اكذوبة سادت فى العصر اليونانى لا يبررها اى صحه .
يبدأ بعد كل هذا فى تبيان البنية الرباعية التى ستصاحبه حتى نهاية
هذا الكتاب وهى البنية التى تتناول الاساليب الاربعة لتنميط الذات وصناعة او قولبة
او بلورة الاخلاق بداخلها فالفصل الثانى يتعلق بالاسلوب الاول وهو التخويف من الجسد
بعنوان الشأن الحميى او الحمييات ويهمنى سرد عناوين الاجزاء ( حول الحمية بعامة 6 صفحات
-الحمية الخاصة باللذات 5 صفحات -المجازفات و المخاطر 5 صفحات -الفعل الجنسى . الاستهلاك
والموت 9 صفحات ) ان اسطورة ما تصاغ حول الجنس والرغبة الجنسية التى هى رغبة فى اللذى
والجميل الجنس = الموت .
ويتعلق الفصل الثالث باسلوب الترسيم السلوكى
او صناعة الاداوار او اجتماعية الممارسة الجنسية بعنوان " الشأن الاقتصادى أو
الاقتصاديات " وعناوين الاجزاء هى ( حكمة
الزواج 5 صفحات -بيت ايزكوماك 8 صفحات - ثلاث سياسات للاعتدال 11 صفحة ) وهنا نكاد
ندرك ان الزواج هو اكبر ضمانه للسلطة كى لا تفقد سيطرتها على الافراد .
ويتعلق الفصل الرابع بالاسلوب الثالث وهو رسم
الصورة بعنوان الشبقى وعناوين الاجزاء (علاقة إشكالية 10 صفحات - شرف غلام 6 صفحات
- مادة اللذة 7 صفحات ) يشغل فوكو نفسه بالادبيات التى تتحدث عن رسم الصورة للجنس بانه
عمل بين مختلفين فى الجنس .
ويتعلق الفصل الخامس بالاسلوب الرابع او الاخلاق
التزهدية بعنوان " الحب الحقيقى
" وكيف انه حب للحقيقة ذاتها وليس حب جنسى عادى .
لقد كانت ادبيات العصر اليونانى حول الجنس
هى المادة التى يعمل فيها فوكو لفضح وكشف تقنيات السلطة لتنميط الذات ولا سيما فى اكبر
نشاط تعتقد فيه الذات بخصوصيتها واستقلالها انه مجال الممارسة الجنسية ان فوكو يقول
بلسان حاله السلطة تدخل غرفة النوم وتستعملنا على السرير انها تستغل رغباتنا الجنسية
فى السيطرة التامة علينا وقمعنا . ان فوكو يبحث فى الطريقة التى تم بها تنميط سلوكنا
الجنسى وهى محور الاخلاق الفردية الخاصة فنحن نتكون كذوات اخلاقية حتى فى اقصى ممارستنا
الجنسية تحررا .
نلاحظ هنا سيادة روح البنية على فوكو باعتبارنا
اجزاء او اشياء تتحرك وفق تقنيات السلطة ولكن لكل فعل رد فعل ولكل تقنية تقمع الذات
تقنية اخرى تقاوم القمع وتصارعه وهو ما سيكشف عنه فوكو فى الجزء الثالث من تاريخ الجنسانية
وهو الانهمام بالذات .
ان فوكو يؤرخ للعصر اليونانى عصر العقل والفلسفة
والمشكلة الاخلاقية بانه عصر القمع الداخلى للذات بذاتها وسيوضح لنا ان العصر الرومانى
هو العصر الذهبى لحرية الفرد وهو عصر انحصار الممنوع انه عصر يشبه عصرنا ويتتبع فيه
الذات تقاوم اساليب تنميط سلوكها وقولبة اخلاقها .
[1] ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية : الجزء الثانى :
استعمال اللذات , ترجمة جورج ابى صالح , ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدى ,مشروع مطاع
صفدى للينابيع – مركز الانماء القومى, بيروت,1991 . ص 15 .
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق