" تاريخ الجنون فى العصر الكلاسيكى" قراءة سريعة خاطفة
بقلم
: أحمد حمدى حسن حافظ
كتاب
ميشيل فوكو " تاريخ الجنون فى العصر الكلاسيكى " ترجمة سعيد بنكراد المركز
الثقافى العربى بيروت ,الدار البيضاء ,2006 طبعة أولى .
صدر الكتاب فى نسخته الفرنسية فى سنة
1961 ، و هو اول عمل نظرى متكامل لميشيل فوكو ، واشهر اعماله على الاطلاق ، مادته الاساسية
هى الخبرة الانسانية فى لحظات ابداعها (خبرة الجنون ) لمقاومة أشكال العسف المتنوعة التى تهدف للحد من
اندفاعات الجسد والروح , هذه الخبرة الانسانية المجنونة عندما تتخطي حدود المعقول والعقلانى
و المستقيم والرزين وتنتشى بالذات داخل عوالم اللاعقل ، التى لا تعترف باية حدود إضافية ، غير تلك التى تأتى من اشياء الطبيعة وطبيعة الاشياء
العصر الكلاسيكى اعلن ميلاد المجنون ( المريض
) الذى سيخلف المجنون ( الدرويش و الوحش والشاذ
)
يتحدث
الكتاب عن " ممارسات السحر والشعوذة و الطقوس الاستثنائية " :
العوالم
الرمزية وكل الصور المخيالية التى انتجتها المخيلة الانسانية من اجل رسم حدود عالم
غريب وهو شبيه بعالم الجنون و المجنون الملئ بالصور والاستيهامات من المجنون , والملئ
أيضا بأشكال النبذ و الاقصاء من المجتمع
.فوكو ص11
سفينة
الحمقى
رحلة
لا تنتهى وقدر سيزيفى دائم التجدد " لقد سلم المجنون المحتجز داخل مركب لا يستطيع
فكاكا منه ,امره للنهر ذى الاذرع الكثيرة , والى الماء ذى السبل المتعددة –انه يسلم
نفسه الى عالم اللايقين الرهيب الموجود خارج كل شئ .انه مسجون ضمن السبل الاكثر حرية
والاكثر انفتاحا :انه موثوق بشدة الى الملتقيات اللانهائية . انه بؤرة المرور بامتياز
,اى اسير العبور , والارض التى سيحط فيها تجهل عنه كل شئ , تماما كما لاتعرف اليابسة
التى تطؤها ارجله من اى ارض هو ات .فلا حقيقة له ولا وطن الا فى ذلك الامتداد الخصب
بين البرارى التى لا يمكنها الانتماء اليها
"
المجانين كائنات تطاردهم لعنة اللاعقل " انها رحلة "غريبة ان لم تأت بالمال
,فانها قد تعيد للمجنون عقله " فوكو ص12
يمكن
ان يكون المجنون وجها سريا من وجوه الله (حالات الدرويش المسالم , وهو وجه مألوف بكل
الثقافات ) ,"فحكمة الطبيعة هى من العمق لدرجة انها تستعمل الجنون باعتباره الدرب
القصير المؤدى الى الحكمة ,متخطيا اشكاله الخاصة من خلال عناية الهية غير مكشوفه
" ويمكن ان يكون تعبيرا عن ادانه الهية لانسان خلق هلوعا ( حالات الجنون الساخط
والعنيف )
المجنون
يعير صورته لكل ظواهر الانتماء الثقافى الى مؤسساته ومعاييره ومقاييسه فى الحكم كأشكال
للضبط والردع وحماية الحدود والوسط المضبوط "هذا جنون " حكم يطلق فى وجه
كل ما لا يستقيم داخل خطاطه ثقافية او سياسية مسبقه
ان
الامر يتعلق بفعل ثقافى وثيق الصلة بحالة المجتمع الحضارية
البخل
نقيض للتبذير والهوى نقيض القسوة والحماس نقيض الفتور والاندفاع نقيض الاستسلام و كل
نقيض قد يصبح جنونا استنادا الى الوسطية الفاصلة بين العقل واللاعقل بين ذلك الذى اتبع
الطريق القويم وبين ذاك التائه خارج الحدود فى هذا الاتجاه او ذاك .
هذا
الفاصل قد يتسع مداه ليلتهم فى طريقه كل مناطق العقل وقد يضيق لكى لا يحتل اللاعقل داخله سوى حيز بسيط . وما يتحكم فى
نهاية الامر هو الناظم القيمى . وهو ناظم ليس مرتبط بالضرورة بالاحالة على الاخلاق
والقيم الانسانية بمفهومها المثالى العام ( الدينى او المستند الى عقيدة ما ) بل هو
كل الصياغات الممكنه للفكر الذى يتحكم فى مجتمع ما فى مرحلة ما ( كل يساريي الوطن العربى
كانوا مجانين وربما مازالوا فى عرف سلطات تحكم على الاشياء استناد الى حقائق ثابته
لا تتغير
مؤسسة
الحجز هى اختراع من اختراعات العصر الكلاسيكى العجيبة
المستشفى
العام أداة قمع مثلى تقوم بكل شئ عدا العلاج
هم
يرون المجنون غولا هائلا سرعان ما ابتلع فى طريقه كل شئ مصلحة العائلة مصلحة المجتمع
مصلحة الدولة ريزون العقل والمصلحة والتبرير
وعالم
الحجز هذا غريب حقا فقد كان يضم داخله المجانين والمختلين والمنحرفين والشاذين جنسيا
كما ضم المبذرين والبخلاء والمنحلين والغارقين فى لا عقل ويعيشون فى غيابات الجنس والفلسفة
والادب وكل اشكال الابداع التى تغطى تجربة روحية لا تتوقف الا عند حدودها القصوى كما
ضم ايضا المرابين والمشعوزين وكل الذين خرجوا عن اخلاق المجتمع او شككو فى قيمه
ص14
مشاهير
فى
شارلنتون لفظ الماركى دو صاد الكاتب الفرنسى الشهير انفاسه الاخيرةلتجاوزه كل الحدودوالانغماس
فى لذات الجسد وشهواته دونما اعتبار لاى رقابه دينية كانت او اخلاقية
الشاعر
الفرنسى ميرابوا
وضعوا
فى الحجز امراة تجرات واعلنت جهارا انها لاتحب زوجها ولا شئ فى الدنيا يرغمها على ذلك
لقد كانتوقحة فتجرأت على تحطيم اوثان العائلة التى تمنح الرجل حق الاختيار الرفض او
القبول
رحلة
طويلة مع ذاكرة العسف والاقصاء والهمجية الانسانية ايضا
مجتمع
المصابين بالجذام والمصابين بالامراض التناسلية لكى يقذف بنا داخل عالم فقد انسجامه
ضمن حالة سعار انسانى غريب حاول بكل الوسائل ان يجتث من بين ظهرانيه كل ما لا يستقيم
داخل معاييره فى الحكم ولا يسير وفق حالته الوسطية الحالة الاجتماعية والسياسية والاخلاقية
المثلى لا ضرر ولا ضرار ما يشكل توازنا هو من صنع مصالح جهات خاصة لا خلاصا ياتى من
الطبيعة فكان ان اختلطت صور الجنون ووجوهه بحالات اخرى يطلق عليها العصر الكلاسيكى برمته اللاعقل
نمط
تعاطى الكلاسيكية مع كل ما يخرج عن طاعةالنموذج الذى صاغته قوى اجتماعية وفرضته سلوك
كونيا لا ياتيه الباطل ابد
لقد
"بلور العصر الكلاسيكى تجربة اخلاقية للاعقل من خلال ربطه بين عوالم اللاعقل وبين
الجنون وعوالم الممنوعات الجنسية والدينية وخلطت بذلك بينه وبين حرية الفكر والقلب
"
ص
15
من
خلالها نخرج من دائرة الجنون كحالة باثولوجية لنلج عوالم اللاعقل وقواه الرهيبة التى
قد تهدد المجتمع فى كيانه او هكذا يعتقد القيميون على تراث الامة واخلاقها
القرن
التاسع عشر علم وضعى يلغى فى حسابه كل ما له علاقة بالاخلاق والدين واحكام المجتمع
ليصبح المجنون اخيرا مريضا عقليا يحتاج الى علاج ويسترد لسانه ولغته وملكوته لم يعد الدرويش كائنا غامضا يربط بين السماء والارض
, ولم يعد الجنون عقابا من الله سلطه على عبادة الذين كفروا بنعمته لقد اصبح الجنون
مرضا عضويا يمكن البحث عن اسبابه فى خلل يصيب الدماغ او الجهاز العصبى او حالة نفسية
طارئة لها اسبابها فى وقائع موضوعية لا يمكن ان يعرف اسرارها سوى المحلل النفسى
تحول
اللاعقل الى جنون من طبيعة اخرى نحن فى حاجة اليه لانه يعد حافزا ضد المستحيل والمستعصى
والذى لا يمكن ادراكه "فنحن فى حاجة لجنون الحب للحفاظ على النوع ونحن فى حاجة
الى هذيان الطموح لضمان سير جيد للنظام السياسى ونحن فى حاجة الى جشع لا معقول من اجل
انتاج الثروات "
كأن
الحياة لا تعاش الا اذا كانت جنونا
ص
16
"
وجود الداء واختفاءه كليهما يكشفان عن غضبه ورحمته "
"
اختفى الجذام , وتوارى المصاب به أو كاد من الذاكرة , الا ان بنياته ستستمر .فستشهد
الأماكن ذاتها نفس لعبة الاقصاء قرنين او ثلاثة بعد ذلك .فقد حل الفقراء والمشردون
والخاضعون للاصلاح والمرضى عقليا محل المصاب بالجذام , وسنرى اى نوع من الخلاص سيقود
اليه هذا الاقصاء للمقصى والمقصى . لقد استمرت الاشكال حية باحالات دلالية جديدة وضمن
ثقافة مختلفة , خاصة تلك المتعلقة بالفصل الدقيق الذى يعد اقصاء اجتماعيا , ولكن ينظر
اليه باعتباره ادماجا روحيا ."
ص
26
لن
تقوم الامراض التناسلية بلعب الدور الثقافى القروسطى الذى لعبه الجذام فى العالم القديم ص 27
هذا
الداء خلافا للجذام كان من اختصاص الطبيب
لقد
استطاعت الامراض التناسلية ,تحت تأثير عالم الحجز كما تم فى القرن السابع عشر ,ان تنفصل
عن سياقها الطبى لكى تصبح جزءا من عالم الجنون وضمن فضاء اخلاقى للاقصاء . وفى الواقع
لا يجب البحث عن الميراث الحقيقى للجذام فى هذه الواقعة بل يجب البحث عنه فى ظاهرة
اشد تعقيدا لم يكتشفها الطب الا بعد جهد جهيد
ان
الامر يتعلق بظاهرة الجنون . وهى ظاهرة ظلت فى حالة كمون لمدة قرنين تقريبا, وستشكل
حالة رعب كذاك الذى احدثه الجذام .وستثير, كما فعل هو , حالات العزل والاقصاء والتطهير
,وهى الحالات التى ستلازم وجوده. وقبل ان تتم السيطرة على الجنون, اواسط القرن السابع
عشر ,وقبل ان تنبثق عنه مجموعة من الطقوس , كان الجنون مرتبطا بكل التجارب الكبرى التى
عرفها عصر النهضة
ص28
وهذا
الحضور وتحديدا بعض صوره الاساس الذى سنحاول الحديث عنه هنا بعجالة
لقد
ظهر موضوع جديد فى الحقل المخيالى لعصر النهضة , سرعان ما سيحتل موقعا متميزا داخله
: يتعلق الامر بسفينة الحمقى (برانت 1497 )brant واعمال اخرى على هذا المنوال
حيث
يبحر الطاقم المكون من ابطال ينتمون الى المخيال ومن نماذج اخلاقية او انواع اجتماعية
فى رحلةطويلة رمزية ان لم تات بالثروة ,فانها ستكون صورا عن قدرهم وحقيقتهم
الحمقى
كانوا يعيشون حياة التيه .لقد كانت المدن تطردهم من جنباتها , ليلتحقوا بالبرارى حيث
يتهون على وجوههم
ص
29
والخلاصة
ان الحمقى لم يكونوا يطردون باستمرار . ونفترض ان الطرد كا يطال فقط المجانين الغرباء
, فكل مدينة كانت لا تعتنى سوى بحمقاها ألم يكن هناك فى حسابات بعض المدن اشارة الى
دعم وهبات خاصة بالحمقى
ص
30
سفنا
لحمقى يبحثون عن عقولهم
تداخل
بين الرغبة فى الحج والرغبة فى الشفاء
ارض
مقدسة حيث يسعى الجنون الى الخلاص من جنونه
حركة
المجانين لا تجدمعناها فقط فى المنفعة الاجتماعية وامن المواطنين
محرومين
من ولوج الكنائس
ص
31
الحق
الكنسى لم يمنعهم من التعبد
هذا
ما يفسر الحمولة الدلالية القوية لابحار المجانين
فالابحار
يسلم الانسان الى قدر غير محدد ,كل انسان يسلم نفسه الى قدره وكل رحيل هو بالقوة آخر
رحلة ففى اتجاه العالم الاخر يسير المجنون على ظهر زورق احمق ...ان ابحار هذا المجنون
هو فى الوقت ذاته تمييز صارم وانتقال مطلق. انه لا يقوم ,بمعنى من المعانى ,سوى بتطوير
الوضعية الاستهلالية للمجنون ضمن جغرافيا شبه
واقعيةوشبه متخيله عند انسان القرون الوسطى وضعية رمزية تحققت من خلال الامتياز الذى
يحظى به المجنون باعتباره محجوزا على باب مدينة اقصاؤه هو الذى يقود للحجز
المجنون
المحتجز داخل مركب لايستطيع الفكاك منه
ص
32
ترابط
الماء والجنون فى ذاكرة الانسان الاوربى
ص
33
ولكن
اذا كان ابحار الحمقى مرتبطا فى المخيلة الغربية بمجموعة من الموتيفات الخالدة فلماذا
العودة من جديد وبشكل مفاجئ فى القرن الخامس عشر الى هذه التيمة لماذا ظهر فجأة ومن
جديد شبح سفينة المجانين وطاقمها الاخرق ليكتسح كل المواقع المألوفة ؟لماذا ولد هذا
القارب فى رحم الترابط القديم بين الماء والحمق ؟
ص
34
السفينة
كانت ترمز الى القلق الذى اجتاح فجأة الثقافة الغربية فى نهاية القرون الوسطى ,فقد
اصبح الجنون والمجنون شخصيتان عظيمتان بفعل غموضهما :تهديد وسخرية , سخرية لاذعة من
العالم ومن تفاهة الرجال وضعفهم
لقد
ظهرت اولا مجموعة من الكتابات الادبية والحكايات و الممارسات الاخلاقية ومصدر هذه الكتابات
موغل فى القدم دون شك الا انها ستحتل مع نهاية القرون الوسطى , موقعا هاما فى الساحة
: سلسلة كبيرة من الحماقات " تندد بالعيوب والممارسات الشاذة , كما تم ذلك فى
الماضى
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
%20(1).jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق