الأحد، 26 ديسمبر 2021

فلسفة الشرق

 

الفلسفة فى الشرق

بحيرة الدماء



بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ

        الفلسفة هى أن تكون مفرطا فى التزامك بالبحث عن المعرفة لا ترضى إلا الحقيقة اليقينية المطلقة وجدت أم لم توجد ، وتضحى من أجل ذلك المجهول الذى لا تعرفه بكل ما لديك من وقت صحة مال كرامة وأحيانا إنسانية من أجل شيئا واحد أن تعرف حقيقة كل شئ .

       وبهذا المعنى للفلسفة عشق أو الجنون أحيانا بالمعرفة الجوهرية الحقيقية الكلية مع القدرة على التعبير النظرى عن ذلك.

      أستطيع أن أقول أن الشرق الآن لا يعرف الفلسفة بهذا المعنى إطلاقا ( لاحظ ان هذا مرتبط بمفهومى عن الفلسفة الغربية ولكن هناك مفاهيم اخرى للفلسفة ممكن التدليل على انها وجدت فى الشرق كالحكمة والخبرة والفكر الاخلاقى العملى )

1 – الفكر الشرقى القديم

      سيقول لى البعض على الفور إذن ماذا كان يفعل بتاح حتب ؟ وماذا كان يفعل بوذا أو زرادشت أو كونفوشيوس ؟ أقول كانوا انضج من ان يكونو فلاسفة هم مفكرون حكماء من مجتمعات قديمة ومستمرة وتغيراتها محدودة فهى مجتمعات زراعية أى بداخلهم التزام معين نحو المجتمع فكانوا صناع دين وسياسة وكانت الفلسفة عندهم ليس الا مجموعة أفكار مصاغة لاهداف اجتماعية وأيدولوجية لا تمت بصلة للالتزام المعرفى بمعنى آخر لا صلة لها بالمنهج الفلسفى من قريب أو بعيد .

ليس اكثر من طروح تحتاج إلى فيلسوف حقيقى ينظر لها ويستلهمها ويتجاوزها

    ربما يختلف الامر عند الشق الثانى من حكماء الشرق الرافضون للمجتمع كالتاوية والصوفيه لكنهم ظلوا ظاهرة مغتربة فى سياق الشرق .

2 – الفلسفة العربية فى العصر الوسيط 

        سيقول لى البعض الآخر وما رأيك فى ابن سينا  أو الفارابى أو الكندى أو هؤلاء الفلاسفة العرب فى العصر الوسيط ؟ أقول هم ما هؤلاء الا ظواهر مغتربة عن الشرق شربوا من فلسفة الغرب حتى كيعانهم وهم يعترفون بذلك فمنطلقاتهم غربية وأقوى دليل على اغتراب هؤلاء الفلاسفة عن مجتمعهم هو انه منذ نشأتهم وهم يحاربون من قبل الدين والمجتمع ولنقرأ من كتب التراث كم الاهانات التى وجهت للفلاسفة ما بين فريق يسب ويلعن وآخر يكفر ويحقر و آخر يراهم أباليس يضللون الناس و آخر ينتقد منهجهم .

        وإذا لم تصدقنى أقراء تلبيس ابليس وهو كتاب يبرز فيه الفلاسفة على انهم شياطين الإنس أو إقراء أبو حامد الغزالى الذى كفر الفلاسفة أو أقراء الشهرستانى الذى أخرجهم عن نطاق الدين ووضعهم مع عبدة الاوثان والصائبة .

       أو أقراء ابن تيمية صاحب القول المشهور الفلسفة شر ومن تمنطق فقد تذندق والذى تبعته فتوى ابن الصلاح بتحريم الفلسفة واهراق دم كل من يشتغل بها وحرق ومصادرة كل كتب الفلسفة .

       أو أقرأ ابن خلدون الذى قال أن ظهور الفلاسفة أمر خطير يهدد العمران البشرى والاجتماع الإنسانى وفرد فصول فى إبطال الفلسفة وترجع أهمية هذا النقد نقد ابن خلدون الى انه لا ينبنى على منطلقات دينية فحسب وانما ينبنى على حس اجتماعى ناضج وانا اعتقد ايضا ان الفلسفة سببا أساسى فى تغيير المجتمعات وتحويلها من مجتمعات مستقرة متوازنة إلى مجتمعات قلقة دائمة التطور الذى يأتى دائما فى صالح التفكك الاجتماعى.

او لا تقرأ ذلك كله وأقرأ فقط معاناة الفلاسفة فى ذلك المجتمع الشرقى

       فذاك ابن سينا يفر هاربا فى البلاد وذلك يقتل مصلوبا الحلاج وذلك يقتل وتقطع أطرافه السهرواردى وذلك ينفى وتحرق كتبه ابن رشد

 خلاصة القول

       أعطونى فيلسوف عربى واحد عاش فى سلام وتناغم مع مجتمعه سيقول لى البعض حدث ذلك ايضا فى الغرب فاعدم سقراط واعدم بروتاجوراس اقول نعم مفهوم أن الفيلسوف شخصا منبوذا اجتماعيا ولكن مع ذلك استمرت الفلسفة فى الغرب اما عندنا فمنذ وفاة ابن رشد وحتى الان لم يظهر فيلسوفا عربيا واحد أى تسع قرون والعرب بدون فلسفة .

3 – الفكر العربى الحديث والمعاصر

        سيقول لى البعض انت مخطئ فقد ظهر وخاصة عند المفكرين العرب فى التاريخ العربى المعاصر جمال الدين الافغانى حسن العطار عبد الله النديم محمد عبده رشيد رضا الكواكبى الجابرى محمد اقبال البرديسى قاسم امين طه حسين احمد لطفى السيد توفيق الحكيم العقاد

    أرى ان كلهم مفكرون كانوا يسعوا لتغير واقع امتهم ولكن ابداعهم الحقيقى كان فى اطار الغرب فكانوا يتفلسفون فى الغرب ويفكرون فى الشرق اى انهم غربيون تعاملوا مع الشرق وحاولوا مصالحته فى بعض الاحيان

خلاصة القول

لا فلسفة فى الشرق

        وعندما ظهر فلاسفة عرب فى عصر الحضارة العربية الإسلامية ظلوا مغتربين عن السياق الاجتماعى الى ان انتهى الوجود الفلسفى بعد وفاة ابن رشد وطيلة ثمانى قرون حتى الان

      حتى هؤلاء الفلاسفة العرب واهمهم ابن سينا وابن رشد كانوا ليس اكثر من معلقين وشراح للفلسفة اليونانية ولكنهم كانوا مبدعين فى ذلك حقا ولكن كان حلم هؤلاء الفلاسفة ان يتوصلوا لفلسفة شرقية خالصة مستقلة وليس شروح وتعليقات

      ولعل ابن سينا عندما الف قصته الفلسفية حى ابن يقظان وضع أول كلمات فيها البحث عن اسرار الحكمة المشرقية ثم توقفت الفلسفة العربية عن متابعة سؤالها ولكن ظل السؤال هل ثمة حكمة شرقية مستقلة عن الفلسفة الغربية ولكن لم تنتهى متابعات الغرب لقصة حى ابن يقظان فالغرب تأثر بها ولكن بمعزل عن سؤالها الأساسى حول الحكمة الشرقية كتب دانيال ديفو روبنس كروزوا ليبرر المسيحية لانها ديانة شرقية أخذت طابعا صوفيا من الافلاطونية فقد تم تدوين الانجيل بعد انتشار الافلاطونية المحدثة ثم أخذت القصة سياقا آخر وهو العصيان المدنى فى اسطورة طرازان فكلما تضايق مخرج من سلبيات المدنية اخرج فيلما عن طرازان

       أقول لكى نفهم الحكمة الشرقية يجب ان ندرك ان الشرق قديم فهو الان فى شيخوخته فبدأت الحضارة فى الشرق منذ اكثر من 3000 سنة قبل ظهور الفلسفة فى الغرب وعمر الفلسفة الان فى الغرب 2600 سنة اى يبقلا لنا اربع قرون كى يستطيع الغرب فهما حقيقيا للشرق إذا افترضنا ان الشرق توقف به الزمن بعد قيام الفلسفة فى الغرب هنا فقط اتسأل عن شعوبا قديمة فقدنا الاتصال بها ( يدعى الكاتب انه قبل بداية التاريخ كانت هناك شعوبا كثيرة ومتقدمة ولكنها تفككت ولكن الالام هذه التفكك ظلت كامنة فى الانسان الشرقى عبر المادة الوراثية ) نحن الغرب لكن بالتاكيد حالة الشرق الان منطوية على شفرات ثقافية توصلنا لحكمة الشرق

وادعى واطرح ان الحكمة الشرقية

      كانت يوما من الايام فلسفة وكانت غير هادئة نظرا لهياج الطبيعة مما ساعد على تطورها حتى تصبح صوفية وهنا وجد المجتمع ان عليه ان يختار من اثنين اما انتهاء المجتمع بعد تفككه الصوفى ولابد ان هذا حدث لفترة قصيرة او توحيد المجتمع بعمق الاسطورة والدين  وبداية الحكمة فى ثوبها الجديد حيث هى حكمة لا فلسفية وهى تعنى حسن التدبير والتصرف كى تبقى المجتمعات وهذا ما يفسر الاستقرار الذى يعيشه الشرق والهدوء وفقد التهور والتسرع وادراك مساوئ الافراط حتى فى المعرفة

      ولكن شعوبا اخرى متهورة لم تمر بالتجربة التاريخية الشرقية بدأت تبحث فى الفلسفة لكن هى الان بدأت فى اليأس المعرفى وبدأت تبلور مفهوما شبيها بالحكمة الشرقية

       هنا استطيع ان اتنبأ للغرب بانه لن تستمر الفلسفة سوى اربعة قرون وبعدها سيغرق العالم كله فى بحر النوم الروحانى ويفقد الانسان اجتماعيته ثم تتكون مجتمعات بالشرقية بالضبط وبعد فترة ينتهى التاريخ ويصبح البشر اقل اكتراثا بالتدوين فيحدث ذلك قطيعة مع التاريخ ببدء يوما تاريخيا جديدا ودورة جديدة فى حياة العالم واذا كان هذا السيناريو الذى اطرحه ساذجا وغبيا وانا كثيرا ما اقدم مثل هذا لاسباب منهجية خاصة اذن نعود لتساؤلنا الذى نريد طرحه بجدية فى هذا المقال والسؤال الان هل يقظان هى الفلسفة وحى هى الصوفية وهل حى ابن يقظان فعلا

      وحاول ان يقدم قصة فلسفية يرها البعض ليس اكثر من تعبيرا عن العقل فى مقاومة الشهوات وكأن الحكمة العقلية الشرقية عند ابن سينا هى كيف لا يميل الانسان الى شهواته اى التقييد للحرية وبتعبير معاصر اراد ان يشير الى ان حكمة الشرق هى الواقعية الاجتماعية اى كيف يكون المجتمع مستقرا بالاخلاق والسياسة التى جوهرها العقل التكيفى (حسن التدبير ) كى يكون السلوك ملائما وهنا ارى ان ابن سينا او الحكمة الشرقية لم تنتبه الى ان الرغبة المعرفية (شهوة المعرفة ) مفقودة فى هذه الحالة الاجتماعية

       فاى فلسفة هنا انها مجرد حكمة اى تدبير للملائمة والتكيف ربما تكون تلك فى حد ذاتها فلسفة الانسان الشرقى المنفصلة عن روح الفلسفة ولذا يحكم على تجربة ابن سينا بالفشل فهو لم يجد الفلسفة الشرقية الا ان قصته ممتازة من حيث هى عمل ادبى يعرض فيه كتاب النفس لارسطو لكن السهروردى يرد على ابن سينا ردا خطيرا فيؤلف السهروردى قصة حى بن يقظان من جديد مدعيا انه سينجح فى ايجاد الحكمة الشرقية

ولكنه يعطينا درس فى التصوف

      هل اذن حكمة الشرق هى التصوف الذى ينطوى على قمة انواع الانعزالية والعصيان المدنى غريبة حقا ان يرتبط التصوف دائما بالشرق

     فحتى تلك الخبرة الغربية مع التصوف لم تكن الا من خلال افلوطين الشرقى الاصول المصرى على وجه التحديد اذن نستطيع ان نقول فى الشرق لا يوجد فلسفة وانما يوجد تصوف لكن ابن طفيل يجرى نفس التجربة تجربة حى بن يقظان فى البحث عن اسرار الحكمة المشرقية ويبدوا هنا لى ان ابن طفيل يعرض نظرية هامة فى تطور الخبرة المعرفية عند الانسان او استخدام الانسان كرمز للانسانية

    ويقول ان الانسان بدأ بالادراك الحسى وعندما اكتمل ذلك الادراك تحول الى ادراك عقلى وعندما يكتمل ذلك الادراك يتحول الى ادراك وجدانى او صوفى لكن ادوات ابن طفيل وهى الفلسفة الارسطية لم تمكن ابن طفيل من حبكة مقنعة فى كيفية انتقال الادراك العقلى للادراك الوجدانى فبدت هناك فجوة بين الانتقال من الادراك العقلى للوجدانى وارى ان الغاز هذه الفجوة بدأت تتلاشى اذا تابعنا تاريخ الفلسفة الاوروبية الى وقتنا الحالى وكيف ان عقلانية الفلسفة بدأت تتلاشى ليحل محلها عقلانية غير كلاسيكية وفى احيان كثيرة لا عقلانية انظر فلسفة ما بعد الحداثة لكن ابن طفيل لم يفسر الحكمة الشرقية الاجتماعية وانما فسر تجربة صوفية تنطوى على معانى فردية ولابد ان ندرك ان الصوفى ايضا مثل الفيلسوف منبوذا اجتماعيا فى الشرق فكيف نرجع الحكمة الشرقية الى التصوف الذى هو اساسا معزول عن السياق الاجتماعى الشرقى وان كان ظاهرة خاصة بالشرق

الخلاصة

لا فلسفة فى الشرق

1 – الفكر الشرقى القديم               ليس فلسفة اصلا

2 – الفكر العربى الحديث والمعاصر   ليس فلسفة اصلا

3 – الفلسفة العربية   مغتربة عن السياق الشرقى

اذن ما فى الشرق

1 – حكمة (حسن تدبير ) لا التزام معرفى

2 – صوفية لا تواصل اجتماعى (عصيان مدنى ) يمكن اعتبارها فلسفة الشرق

     لان الشرق اكثر قدما فى التاريخ نستطيع الاعتماد عليه فى التنبؤ بمصير الفلسفة الغربية يؤيد ما سنذهب اليه حدوث مؤشرات فى الفلسفة الغربية من نمو للوجودية وما بعد الحداثة فى الغرب

الفلسفة تتحول الى صوفية فردية لا علاقة لها بالاتصال الاجتماعى

المجتمع يسوده منطق الحكمة اى حسن التدبير

هل نتبين من ذلك ان المعرفة الحقيقية لا تملك القدرة عن التعبير عن نفسها فى صورة تواصل اجتماعى

الطرح ينبغى ان يؤخذ بطريقة احادية حادة ودفاع مستميت عن الراى

الكتابة الحقيقية هى ما تثير جدلا


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

" تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man and Biosphere

  ·       من الأمتحان والإختبار والتقييم إلى التقويم الذى يشارك فيه الطالب والاستاذ " تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man a...