على هامش زمن الخوف ( الكرونوفوبيا )
أضواء على الفناء الوجودى عند الصوفية
بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ
لقد قدم التصوف الفلسفى فى الاسلام مفهوم من أهم المفاهيم السيكولوجية التى من المهم ان نلقى الضوء عليها فى زمن الخوف ( زمن الكرونوفوبيا (*) ) وهو مفهوم الفناء الوجودى ، الذى لم يظل عند أعلام الصوفية مفهوم نظرى خالص بل ما لبث ان تحول لخطط تطبيقية لتحقيق الفناء الوجودى وضمانه .
الفناء الوجودى هو تعبير مرادفا للموت اذا ما خلصناه من الابعاد الايدولوجية للنظرية الصوفية عن الموت بل يزيد على الموت الفساد ( اى التحلل الكامل للجسد واختفاءه )
النظرية الصوفية للموت :
ينظر الصوفية للروح الانسانية على انها ذو اصل ربانى فهى من ذات الله (َ فإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ )الحجر - الآية 29 ، وهى فيض من الرحمن (فلما كانت روحه عظيمة فياضة فاضت عن نفسها بخلق الانسان والاكوان) . والكيان الالهى له البقاء المطلق وما عاده مصيره الفناء التام والعدم والانعدام "فكل هالك الا وجه الله" .
ويشكل الفناء الوجودى عند الصوفية " عودة ما فاض من الروح الالهية الى ذات الروح الالهية " ففناء العبد فى الله (وهو موته وفساد وتحلل كامل جسده )هو غاية الفناء الوجودى وهو ما يحقق اعلى نشوة ووجد فى الوجود كله .
لذلك كان الفناء الوجودى هو غاية كل درويش صوفى ادرك انه كبنفسه يئن كأنين الناى يحن للجزع الذى قطع منه ، فالانسان غاية ما يحلم به هو ان يعود للروح الالهية فى فناء تام عن نفسه وجسده وذاته .
واود أن أشير قبل الولوج لخطط الفناء العملية التى قام بها اعلام الصوفية الى مفهوم الفناء الوجودى فى الفكر الغربى وفى علم النفس المعاصر ففي نظرية التحليل النفسي الكلاسيكية لفرويد. يعتبر حافز ( إرادة ) الموت هو الاتجاه نحو الموت و تدمير الذات. [1] وهذا ينعكس فى سلوكيات عديدة للانسان ، وقد اعتبره فرويد غريزة اساسية فى الانسان " غريزة الموت " ، فالانسان يتأرجح عبر وعيه بين إرادة للموت وآخرى للحياة ، فتارة تعلو ارادة الحياة على إرادة الموت ، وتارة تعلو ارادة الموت على ارادة الحياة . ويرى فرويد انه بالرغم من وجود حافز الموت الا انه لا يعارض الايروسية او الميل نحو البقاء، والانتشار، والجنس، وغيرها من المحركات الإبداعية المبتكرة للحياة.
يعرف الكثير من الناس ان حسين بن منصور الحلاج أحد أهم أعلام التصوف الفلسفى الاسلامى فى العصر العباسى وهو ما يعادل القرن الثامن الميلادى او الالفية الاولى أعدم وقطعت أطرافه فى وسط ميدان عام حيث عبر صلاح عبد الصبور فى القرن العشرين عن مأساة الحلاج قائلا : صفونا صفا صفا .... الاجهر صوتا والاطول وضعوه فى الصف الاول ... ذو الصوت الخافت والمتوانى وضعوه فى الصف الثانى ..... قالو صيحوا زنديقا كافر ... صحنا زنديق كافر . ويشير صلاح عبد الصبور الى ان الحلاج قتل لاسباب خاصة بالصراع السياسى لا دخل لها بغير الصراعات الايدلوجية بين المذاهب والطوائف التى كانت فى ذلك العصر .
فالحلاج هو من جرأ على القول بالاتى :
أَنا مَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا
روحانِ حَلَنا جسدا واحدا
فَإِذا أَبصَرتَني أَبصَرتَهُ
وَإِذا أَبصَرتَهُ أَبصَرتَنا
روحُهُ روحي وَروحي روحُهُ
مَن رَأى روحَينِ حَلَّت بَدَنا
وعندما سئل أين الحق ؟ قال :أنا الحق
طبعا تم التفسير بطريقة حرفية واعتبر الحلاج مدعى الوهية أو التفسير بطريقة مذهبية فاعتبر الحلاج من القائلين بالحلول ووحدة الوجود .
فتم التعامل معه بالتصفية الجسدية
لكن ماذا كان موقف الحلاج ؟
لقد رحب وقال :
أُقْتُلُوني يا ثقاتـــي إنّ في قتـْلي حياتــــي
و مماتـي في حياتـي و حياتي في مماتـي
أنّ عنـدي محْو ذاتـي من أجّل المكرمـات
و بقائـي في صفاتـي من قبيح السّيّئــات
سَئِمَتْ نفسـي حياتـي في الرسوم الباليـات
فاقتلونـي واحرقونـي بعظامـي الفانيــات
ثم مـرّوا برفاتـــي في القبور الدارسـات
تجدوا سـرّ حبيبــي في طوايا الباقيــات
وقد قال الحلاج عن المنادين بقتله غيرة على الدين وخوفا على العقيدة من الوهم والضلال أنهم من اشرف الناس ، وان لديهم كل الحق فى ما يفعلونه ، بل يحتسب اجرهم وثوابهم عند الله بحسن نيتهم ، ولا يلوم عليهم اى لائمة . ويرى ان مصيره هو قدره المكتوب من الازل وانه غاية ما يتمناه فهو وسيلة لتحقيق الفناء الوجودى الذى يتمناه .
أن الصوفى يرى ان أخطر العواقب والحواجب بين علاقة الانسان بربه هى تدخل الناس فى هذه العلاقة فالصورة التى يكونها الناس عن شخص ما ( غير انها صورة ثبوتية لا تليق بكينونة الانسان المتغيرة أو الدازين او النمو الصاعد فى اتجاه الانسان الكامل عبر المقامات والاحوال ) ( وغير انها لا تأخذ الا بالظاهر دون الولوج للباطن والضمائر والسرائر والنيات فلا نزكى على الله أحدا ) هى صورة مقيدة للانسان تضره فى علاقته مع الله اكثر مما تفيدة ولذلك يسعى الصوفى بكل جهدة لتدمير صورته عند الناس وخصوصا أذا اتهموه بالايمان والصلاح او الولاية .
وهناك فرقه كامله من الصوفية تسمى الملامتية تعتمد على عمل كل المعاصى والاثام والذنوب امام الناس حتى يلوموهم كل اللوم ، وهنا فقد يستطيعون ان يعيشوا بحرية غير مقيدة بتحديدات صورة البشر عنهم فى علاقتهم مع الله ، التى تتأسس على العشق الغير مشروط بثواب أو عقاب ، والساعى لتحقيق الاتصال والصعود والوصول والفناء فى الذات الالهية .
وطبعا بصرف النظر عن الهجوم الفقهى على هذه المعتقدات ، والتى اتخذ اشكال من القمع والتنكيل بالفكر وحامل الفكر عبر العصور والازمنة ، فانه لم يستطع ان يمحى هذه الافكار من الذاكره الانسانية قديمها وحديثها . ولقد رأينا ان نتحدث عن رغبة الصوفية فى تحقيق الفناء الوجودى فى خضم زمن أصبح فيه الخوف من الموت والمرض والوباء منتشرا بالطريقة التى تحقق موات حقيقى (وهن) لكل قيم العيش وحب الحياة وانطلاقتها وبساطتها . فقديما قالوا أطلبوا الموت توهب لكم الحياة ، والان لسان الحال يقول فروا من الموت وابقوا قابلونى لو عرفتوا تعيشوا اى حياة .
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر
(*) الكرونوفوبيا مرض نفسي قديم له علاقة بالخوف من التعاقب السريع للوقت والزمن ، ولكن يستخدم فى هذه المقالة بمعنى الخوف من كورونا .
تم اقتراحها في الأصل من قبل سابينا سبييلراين في بحثها "الدمار كسبب للمجئ إلى الوجود" عام 1912 والذي تناوله سيغموند فرويد عام 1920 في مقالة "ما وراء مبدأ اللذة". وقد ترجم هذا المفهوم على أنه "معارضة بين الأنا أو غرائز الموت أو الغرائز الجنسية أو غرائز الحياة".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق