السبت، 29 مايو 2021

نظرة عامة على مفهوم التنطع

 

نظرة عامة على مفهوم التنطع

"المتنطعون" 

ليس فى الدين فقط بل فى كل المجالات 

          ورد إلينا أن رسول الله محمدﷺ قال [i]:  "هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون ،  هلك المتنطعون "

     والكلمة غير دارجه على اللسان العربى المعاصر وهى "التنطع " وهى من نطع .

     و النطع هو منطقة جوف الفم (الغارِ الأَعْلَى مِنَ الفَمِ) فى التشريح الداخلى للحفرة الفمية فى جسم الانسان  حَيْثُ هو تجويف فوق اللِّسَانِ تحت الحَنَكِ.


     ولهذا التجويف وظيفة فى عملية النطق فهو مسئول عن أصدار أصوات حرف الطاء و التاء و الدال ؛ ولذلك تسمى هذه الحروف بالحروف النطعية وتسمى أيضا بالاصوات الاسنانية اللثوية  .

    وتنطع الرجل : تدل مباشرة على انه جَعَلَ الطَّعَامَ فِي نِطْعِهِ.

       وفى العامية المصرية تستخدم كلمة "نطع " بمعنى انسان "بارد" متجمد المشاعر وقليل الادراك والتفكير  يصدر سلوكا غير ملائم أو غبى .

       وعلى العادة اللغوية نصف بعض الأوصاف النفسية والسلوكية باستخدام اعضاء الجسم : روحه فى مناخيره – قلبه فى رجليه – عايز اعرف راسى من رجلى – كانت على طرف لسانى –مش عارف كوعه من بوعه – الفار بيلعب فى عبى  ..الخ

     فتدل كلمة نطع على "المتكلمون بأقصى حلوقهم"  كنوع من التأكيد والثقة التى تصل لحد الغرور . مثل  الحنجوريون .

      وتنطَّع الشَّخصُ في الأمر: اى بالغ فيه بشدة فاصبح (مغالى) ، بل وأكد علي الأمر فاصبح متشدق به                  ( المتشدقون ) ، وتكلَّف أى اضاف عليه ما ليس منه  ، وهذا عموما يعكس نوع من الطيش السلوكى والثقة المغرورة. 

وتم فى التراث العربى رصد ثلاث أنواع من التنطع :

1 – تنطع فى الكلام : فيتفصح المتنطع فى كلامه على غير ضرورة ويتعمق ويتقعر ( المتقعرون ) فى الموضوع الذى يتكلم فيه .

2 – تنطع فى الشهوة : حيث يتشبع منها إلى أقصى حد  من حيث المضمون ويتأنق فيها من حيث   الشكل .

 3 – تنطع فى العمل : حيث يتحذق ويتكلف المهارة والاتقان والتفانى فى غير ضرورة ، ومنه يطلق على المتنطعون            ( المتحذلقون) .

      يتميز المتنطعون بان"الحدة تعتريهم            دائما "معتقدين انفسهم على صواب مطلق ، مدعين ان هذه الحدة غضب محمود من أجل الحق ( وهى تعصب مذموم) ، وأعتقاد الإنسان أنه على حق مطلق "ملاك الحقيقة المطلقة " وهو أعتقاد غير إنسانى أصلا يتعارض مع كل السنن الكونية والانسانية ، فيقول اللهﷻ للرسول ﷺفى سورة الاسراء 93 : " قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا" ، ويقول الفقيه أبو حنيفة النعمان " رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب " ؛ أنها المرونة العقلية الموصلة لما هو أقرب الى الصواب والملائمة ، وفضيلة سعة الأفق التى تميز الراسخون فى العلم ، وهم بذلك – اى المتنطعون - يتركون الرفق الذى ما دخل فى شيئ الا زانة ويحيدون على الوسطيه فى الاعتقاد والممارسة فى كل مجال  .

نعود لحديث الرسول ﷺ

"هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون،هلك المتنطعون "

          والحديث تحذير من التنطع لانه يكون سببا لهلاك الناس ، 

والسؤال هل المقصود هو التنطع فى الممارسة  الدينيه فقط ؟ وهل الهلاك المقصود فى الدنيا فقط ام فى الاخرة فقط ام فى الاثنين معا ؟

       وأظن أن الإجابة تأتينا هذه المرة من علم النفس وخصوصا السلوكى ، فأثناء التنشئة الإجتماعية وتكون الضمير ، تتكون الشخصية أما قابضة أو منبسطة ، والأفضل بالطبع للسواء النفسى هو الوسط .  فإذا كانت الشخصية قابضة فان هذا يؤدى لهلاك الشخص بعقدة الذنب أو بعدم القدرة على الاستمرار على المنوال القابض الذى رسمه لنفسه  دون انفجارات ثورية فى الشخصية ، لانه ببساطة افتقد الاعتدال والتوازن الضرورى للتكيف مع الحياة والظروف والاوضاع .

 

 




مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

 



[i] صححه الإلبانى الصفحة أو الرقم: 201/4608 كتاب : سنن أبي داود .

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

" تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man and Biosphere

  ·       من الأمتحان والإختبار والتقييم إلى التقويم الذى يشارك فيه الطالب والاستاذ " تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man a...