الثلاثاء، 31 مايو 2022

الإفراط فى تأمل الذات طريقك للجنون

 

الإفراط فى تأمل الذات طريقك للجنون


      يحكى لنا الدكتور أشرف عبد النور وهو دكتور أسنان عن مريض جاء له لخلع أحد الضروس ، وبعد الخلع طلب المريض أن يرى الضرس المخلوع وظل ينظر إليه متأملا بشده وأهتمام وتركيز حتى ظهرت عليه أعراض لوثة عقلية وفقدان للوعى وغاص فى نوبة من الإضطراب العقلى الشديد والهزيان  .

          ويشير هنا أشرف عبد النور إلى ان الإفراط فى تأمل عضو مخلوع من الجسد الإنسانى يسبب مشكلة نفسية تتعلق بالحس الحيوى لدى الإنسان . ويظهر ذلك أول ما يظهر فى المجال الصحى وهى ظاهرة  تركيز الإنسان مع أى عرض مرضى يظهر عليه دون أى محاولة للتجاهل أو تأجيل التعامل معه وكأنه يراقب نفسه بدقه ، واحيانا يلجأ للقياسات عبر الأجهزة الطبية من ضغط وسكر ودرجة حرارة ونسبة الاكسجين فى الدم ، ويزداد قلقه على نفسه  مما يساهم فى تراجع عقلى يصل الى حد لوثة وهلوسة ووسواس ، وتراجع انتكاسى بالطبع للمرض ذاته وعدم قابليته للعلاج ،  لذلك فان كثير من المدارس الطبية تمنع وصول معلومات عن المرض للمريض ذاته، كمنع أعلام المريض بدرجة حرارته او قياس ضغطه او قياس سكره او الاثار الجانبية للدواء ، لان ذلك سينعكس سلبيا على حالة المريض النفسية وبالتاى سيزيد من مرضه خطورة وتفاقما .

      الأخطر من ذلك أن المريض يكون مهتم للغاية بمتابعة هذه القياسات ومتابعه حالته وفق ما يتوفر له من معلومات وثقافة طبية تتميز على الدوام بكونها محدودة وغير منظمة أو قاصرة أو مشكوك فى مصادرها أو مبالغ فيها ، فالطب علم وفن ومهارة وخبرة وليس مجرد معلومات عن الجسد الإنسانى ووظائفه ، بل ان كثير من المدارس الطبية تمنع المريض عن القراءة عن مرضه أو محاولة علاج نفسه بنفسه ، وخصوصا فى الأمراض النفسية وكذلك العضوية .

       وأذكر أن أحد الشباب قرأ مقال فى النت عن تأثير الإجهاد والجلوس أمام الكمبيوتر لساعات على إحداث جلطة مميته فى المخ وبفعل قوى الإيحاء النفسى بدأ يشعر بالأعراض من تنميل و دوار وزغلله و بدون مقدمات اتت له الجلطة ومات ، لان إليه عمل الجسد الإنسانى آلية نفسية فى الاساس حدثت له الجلطة بشكل عضوى ، كثيرا من الناس يظنون ان الايحاء والحالة النفسية شيئ بعيدا عن المرض العضوى ويظنون ان الانسان مقسم لعضوى ونفسى ، وهو بالأمر الغير صحيح فهناك علاقة قوية ومتبادلة بين الجسد والنفس فهم تقريبا شيئا واحد ، فمن الممكن ان يكون العلاج السلوكى المعرفى النفسى بالكلام مؤثرا على كيمياء المخ وعلى وظائف الإعضاء بشكل كبير وذلك فى جميع الامراض حتى الفيروسية والبكتيرية لعلاقة المناعة بالقوى النفسية فى الجسم ، وكذلك العلاج الدوائى يؤثر على الحالة النفسية والسلوكية للانسان  . لذلك على الطبيب اى طبيب فى اى تخصص ان يراعى الحالة النفسية للمريض مع العلاج الدوائى ، فاشياء يتم تجاهلها كرغبة المريض فى العلاج وارادته للشفاء وأمله القوى فى الشفاء وإيمان المريض بقدرة الدكتور أوالدواء على العلاج ، يحسن أمراض تقليدية بل وأمراض عضال ليس لها دواء ،

      فاذكر ان طبيب لم يكتب فى روشته لمريض غير فيتامين ورغم ذلك ونتيجة ايمان المريض بالدكتور ورغبته وارادته للشفاء تحسن جدا المريض . ولو كان علم ان الطبيب لم يعطيه اى علاج بل أوهمه بذلك لكان لم يتحسن مطلقا .

      بل انه فى ابحاث الدواء الطبية عندما يعطى المريض الدواء الغير فعال فان نسبة كبيرة مما يأخذون الدواء غير الفعال يتحقق لهم الشفاء .

       ليس من المفيد ان ينشغل الانسان بعلاج نفسه وعليه ان يقبل التفويض لمن يثق فيه من الدكاتره او المعالجين ، لكن هذا يعكس افراط واهتمام مبالغ فيه بالذات وهو من أسرار الشقاء .

      ف" على الإنسان ان يقلل أهتمامه بنفسه وبنقائصه وعيوبه ومميزاته واحتياجاته" هكذا أوصانا الفيلسوف الإنجليزى المعاصر برتراند راسل فى كتاب الطريق إلى السعادة لاحظ اننا نتكلم عن عيوب ومميزات واحتياجات ونقائص ومن الأصوب أن نمارس التجاهل او اللامبالاه مع ذلك كله او مع ذواتنا  ، وهذا لا يحدث الا اذا انشغل الانسان بما هو خارجى من موضوعات يهتم بها اهتماما خاصا كهواية أو مهمة أو مهنة  وكذلك أشخاص حوله يدرب نفسه على رعايتهم و تحمل مسئوليتهم وخدمتهم . وهذا بإختصار طريق السعادة ،أما موقف الإفراط فى تأمل الذات فهو طريق الشقاء .

        لانه ما يحدث عند الإفراط فى تأمل الذات إذا كان فى أتجاه الإيجاب (المميزات والكماليات والممتلكات والملكات )  فأن النرجسية وجنون العظمة والضلالات والبارانويا والعجب والإختيال والفخر والبهرج الخداع يجعل الإنسان يفقد القدرة على تذوق الحياة والحكم على الاشياء بطريقه صحيحة وفى النهاية يعيق هذا التأمل الإنسان عن مواصلة حياته الطبيعية .

      وإذا كنا فى اتجاه السلب (العيوب والنقائص والاحتياجات) ستنشط عقدة الذنب واحتقار المرء لنفسه ومعاداته لها ومحاولة ايذائها ، كل ذلك نحن فى غنى عنه بان لا نفكر كثيرا فى عيوبنا ومميزاتنا ولا نعمل على تغيير انفسنا ذلك التغير الاهوج  وأصلاح عيوبنا ، لان هذا يحفه المخاطر .

      ولتعلم معى ان تغيير النفس ينطوى على خطورة لانه قد يكون لديك عيب صغير ولكن هذا العيب يعتبر مسلك او مصرف سلوكى هام لاتزان الشخصية ، وبمحاولة تغيير العيب الصغير تتفكك الشخصية بشكل كامل وتصل الى مشكلات وعيوب خطيرة تعيق عن مواصلة الحياة وكنا فى غنى عنها اذا تجاهلنا هذا العيب الصغير ،

      كذلك فان عملية التنظير للذات وابراز دوافع السلوك ومبرراته والحكم عليها بالسلب او الايجاب ويسمى الاطباء ذلك اللفظنة .    

      عملية سلبية جدا وذلك لان التنظير لا ينطوى بالضرورة على كل الحقيقية كما انه اجتهاد قد يكون صادقا وقد يكون غير ذلك فلا تصدق وجهة نظرك فى ذاتك ولا تصدق وجهة نظر الاخرين فى ذاتك ، فالاثنين مجرد اجتهاد قد تعكس حقيقة او لا تعكسها . ومن الخطورة بمكان البناء عليه .

       عليك ان تتقبل نفسك دون حفر فى مميزاتها وعيوبها ونقائصها واحتياجاتها ومحاولة تغيرها للأفضل وما هو خلاف ذلك . 

        عليك ان ترضى بنفسك وتتقبلها وتحبها وتمارس حياتك ونشاطاتك التى لا ترتكز على الذات وانما على الموضوع الخارجى او الذوات الاخرى .

        وستكتشف من خلال المواقف الحياتية والتعاملات انك كنت ومازلت لا تعرف نفسك و ستكتشف كم كنت جاهلا فى فهم نفسك عندما كنت تتأملها نظريا فقط وستكتشف ان  الفراغ الذى شغلك بمراقبة نفسك وحسابها على كل صغيرة وكبيرة ولفظنة وتنظير أفعالك وكتابة عيوبك ومميزاتك والاهتمام بتغير نفسك للأفضل كان من أحد أهم اسباب الشقاء .

      فالموضوعات الخارجية ستوفر لك فرصة لأكتشاف نفسك بشكل أفضل فيختبرك الموقف الحياتى و قبل هذا الاختبار لا يمكن الحكم على الشخصية .

  عليك ان تقبل نفسك بعبلها

و تتعلم كيف تتجاهل الذات ولا تبالى ؟

وكيف تزكى نفسك وتطهرها بالفعل الصالح دون ان تدسها بتعداد عيوبها والمبالغة فى رؤيتك لعيوبك (قد افلح من زكها ).

             فاذا اردت ان تجد ذاتك سيكون ذلك من خلال الأنشطة العملية التى تقوم بها ومن خلال الاخرون عبر الأكتراث بهم والانشغال بهم ورعايتهم ، دون تأمل مبالغ فيه لذاتك وجسدك وصحتك وعيوبك ومميزاتك واحتياجاتك وقصة حياتك . 

عيش برا نفسك جواها متعتبش

مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

" تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man and Biosphere

  ·       من الأمتحان والإختبار والتقييم إلى التقويم الذى يشارك فيه الطالب والاستاذ " تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man a...