الأربعاء، 26 مايو 2021

اخراج الذبابة من الزجاجة

 

"اخراج الذبابة من الزجاجة "[1]

فى الأرشاد النفسى بالفلسفة

"عزاءات الفلسفة"






        عبارة " اخراج الذبابة من الزجاجة " عبارة قديمة تعود للأربعينيات من القرن العشرين فى الفكر الغربى ، مأخوذة من كتابات فتنجشتاين  Wittgenstein (1889 – 1951) وهو من كبار فلاسفة التحليل الانجليز من تيار الوضعية المنطقية ، وان كنا نتحفظ شخصيا على هذا التيار الفلسفى لاننا نرى أن الوضعية لا تقدم ما هو عميق و حقيقى ومؤثر وانما تعرض تحصيل حاصل منطقى وسهل ممتنع لا معنى له ،  لكن اسهامات فتنجشتاين بالذات فى فلسفة اللغة أعمق من كونه تجسيد للوضعية المنطقية . فهو مؤسس ومشرف على الانعطاف اللغوى للفلسفة المعاصرة . وهو صاحب مفاهيم لا غنى عنها للفيلسوف او المفكر فى عالم اليوم       ( العاب اللغة – البراديم او النموذج الاسترشادى للفكر )



        فتنجشتاين يحدد وظيفة ومهمة الفلسفة من خلال عبارة "اخراج الذبابة من الزجاجة " فهو يرى أن التفكير الفلسفى المنظم والاطلاع على الجهود والمحاولات الفلسفية السابقة لحل المشكلات الوجودية الكبرى التى قابلت الانسان فى رحلة وجودة على الارض كفيلة بان تقضى على حالة التخبط والتوهان وفقدان الطريق للإنسان الذى يشعر وكانه ذبابة تتخبط فى زجاجة ولا تعرف طريق محدد وواضح للخروج من فتحة الزجاجة الضيقة الموجودة بالاعلى .

        ومن هذه الافكار بالتحديد خرج مصطلح الفلسفة العلاجية " او ممارسة التفكير الفلسفى المنظم ( فعل التفلسف ) مع القراءة الضرورية والاطلاع على تجارب الفلاسفة السابقين من خلال كتاباتهم الفلسفية يؤدى إلى علاج كثير من المشكلات والاضطرابات والامراض النفسية التى تصيب الانسان " . ربما يجمع كثير من الاطباء النفسين فى عصرنا هذا من أصحاب مدرسة العلاج السلوكى المعرفى المنتشرة على فائدة العلاج بالقراءة ويحددون مجموعة من الكتب والرويات المحددة بعناية لمرضاهم لتفيد فى علاج بعض الامراض النفسية المحددة .

    ولكن بالنسبة لفعل التفلسف كتنظير مبالغ فيه وبعد عن الاتجاه العملى الملموس المترجم لسلوك واضح وللموقف الفلسفى كموقف وجودى تأملى مختلف مفارق للطبيعة التكيفية مع الواقع فهناك اختلاف ونقاش على مدى فائدة ذلك  او ضرره للمريض النفسي  والاتجاه الأغلب ينصح بالبعد عن ممارسة التفلسف والتنظير والمواقف الفلسفية الحادة  كى لا نزيد الفجوة بين الواقع الملموس المعاش وكل ما يفارقه ويبعد الانسان عن التركيز فيه  .

          يعود موضوع الفلسفة العلاجية للظهور من جديد سنة 2000 مع انتشار مذهل لكتاب من مجموعة ما يعرف ب" الكتب الاكثر مبيعا " وهو من كتابات التنمية والتطوير الذاتى المنتشرة فى هذا العصر هو كتاب " عزاءات الفلسفة : كيف تساعدنا الفلسفة فى الحياة " لدو بوتون . ( من منا لا يعرف العزاء ، العزاء يكون عند حلول النصيبة ونصيبه الموت على الوجه الاخص وبعيدا عن كونه يكون فى شادر وفراشه واكواب من القهوة والمناديل والمياة المعدني او قاعة مناسبات بجامع اوكنيسة  هو محاولة تهدف للتسلية عن أهل المتوفى والتسريه عنهم ومحاولة الهامهم الصبر والسلوان ونسيانهم لمصيبتهم ) ففى شادر العزاء نستقبل المعزيين ويعزينا الاستماع الى تلاوة القران وبعض الخطب الدينية ، يضيف دو بوتون انه من الممكن استخدام بعض الكتابات الفلسفية والتاملات ، من الممكن ان تعزينا فى نصائب كثير تصيبنا .



       وهذا فى حد ذاته ليس جديد فأذكر ان كتاب "لا تحزن " لعائض القرنى وكتاب اخر بنفس العنوان للشيخ محمود المصرى ، وهى كتب فلسفية فى المقام الاول وان كانت تعكس فكر دينى وتستند لاصول دينية .  يقدم كهدية وينصح بقراءته لمن اصابته مصيبة او فقد عزيز او غالى عليه او اصيب بحالة من الحزن والاحباط .

📚مؤلفات: آلان دو بوتون 📚
🎆يطلق عليه لقب فيلسوف مدرسة الحياة، فيما يصفه البعض بانه صاحب فلسفة لن تصمد طويلا ،لكنه يدعونا ان نتمثل درس " سقراط " الذي ظل يطالبنا ان لا ننصت أبدا إلى إملاءات الرأي السائد، بل الإنصات إلى إملاءات العقل .
🎆تُناقش مؤلفاته مختلف القضايا المعاصرة، مؤكدةً على أهمية الفلسفة في حياتنا اليومية.
و من اجل ان يعثر القارئ على طريقة سهلة وممتعة توصله إلى اكتشاف الدروس الانسانية ويعلمنا طريقة الشغف بأدق تفاصيل حكايات الكتب ومؤلفيها.
🟤قلق السعى الى المكانة.
في هذا الكتاب يوضح دو بوتون أن سعينا لأن نكون محبوبين ومقدرين يتفوق على سعينا لحيازة أي شئ آخر ، بل إن كل ما نقوم به يهدف إلى تحسين مكانتنا ..
ذلك أن موقعنا على درجات السلم الاجتماعي يلعب دوراً حاسماً في حياتنا لأن صورتنا الذاتية تعتمد بشدة على ما يراه الآخرون فينا .
لكنه يتساءل أيضاً : هل يستحق البحث عن المكانة ان نقدم التضحيات ؟
يعتبر هذا الكتاب أغنى وأظرف وأكثر أعمال دو بوتون انتشاراً ، يظهر لنا فيه مدى سعة معرفة واطلاع صاحبه ، ومدى وفرة وأناقة وأصالة أفكاره.
🟤عزاءات الفلسفة.
يمكن أن يكون عنوان هذا الكتاب: الفلسفة كعلاج نفسي. فهذا الكتاب اللافت سيُشعرنا على نحو رائع بالتحسُّن بطريقةٍ جيّدةٍ، بمعيارَين متساويَيْن من الذكاء والحكمة. عندما سألوا سقراط من أين جاء، لم يقل «من أثينا»، بل «من العالم». (مونتين) لا ينبغي أن نشعر بالإحراج بسبب بلاءاتنا،إذ عبر إخفاقاتنا فحسب سينمو كلّ ما هو جميل...(نيتشه) ما يُسبّب التعاسة... هو السعي وراء السعادة بافتراض أكيد أنّنا سنجدها في الحياة... سيكتسب الشبابُ الكثيرَ لو تمكّنوا من تخليص أذهانهم من الفكرة الخاطئة بأنّ لدى العالم صفقةً عظيمةً سيعرضها علينا.(شوبنهاور) بوتون، أخذ الفلسفة إلى هدفها الأبسط والأهم: مساعدتنا في عيش حيواتنا.
🟤كيف يمكن لبروست ان يغير حياتك.
استلهام حياة مشاهير الفكر والأدب في الأعمال السردية أصبح مدار اهتمام الروائيين الحاليين. فالأحداثُ المُتخيلة تمتزج في هذا النوع من الروايات مع وقائع حياة مَنْ ظَلَ تأثيرهُ مُتجذراً في مسيرة الفكر البشري. وهنا نُشيرُ إلى إرفين د.بالوم الذي عالج تاريخ أوروبا مُنطلقاً من سيرة الفيلسوف الألماني نيتشة في رواية بديعة عنوانها «عندما بكى نيتشة». غير أنَّ الكاتب السويسري المقيم في بريطانيا آلان دوبوتون يجمعُ في مؤلفه «كيف يمكن بروست أن يغيَّرَ حياتك» بين أُسلوب الاستقصاء الصحافي والسرد الروائي والتوثيق التاريخي.
🟤فن السفر.
هذا كتاب من يقرؤه سوف يجد في اول رحلة له الى الخارج متعة تفوق متعته في الرحلات السابقة، ويفتح عينيه على امور وعناصر وعوامل ربما يكون قد غفل عنها في رحلاته السابقة، ويفتح له ابوابا جديدة تحول السفر من رحلة الى متعة حقيقية. ويتميز الكتاب بمحدودية عدد صفحاته واتساع الآفاق التي يرتادها.
🟤عمارة السعادة.
ما الذي يجعل بيتًا من البيوت ذي جمال حقيقي؟ ولماذا تبدو بيوت جديدة كثيرة قبيحة جدًا؟ ولماذا نخوض مناقشات حادة حول الأرائك واللوحات؟ وهل من إمكانية لحل تباينات الأذواق والتفضيلات حلًا مُرضيًا؟
بغية الإجابة عن هذه الأسئلة وعن أسئلة كثيرة غيرها، ينظر دو بوتون إلى مبان كثيرة في أرجاء العالم، من الأكواخ الخشبية في القرون الوسطى إلى ناطحات السحاب الحديثة. يتفحّص الأرائك والكاتدرائيات ومجموعات الشاي ومجمّعات المكاتب، ثم يُعرب عن جملة أفكار فلسفية كثيرًا ما تكون مفاجأة مدهشة. سوف يأخذك “”عمارة السعادة”” في جولة ساحرة عبر تاريخ العمارة والتصميم الداخلي وفلسفتهما، وسوف يغيّر نظرتك إلى بيتك.

♥️دروس فى الحب.
الكتاب يعرض فكرة مريحة للحب والزواج والتفاهم. الحب مهارة تتقنها مع الوقت وليس فقط مجرد شعور، مهارة أن تعبر عن نفسك، أن تسمع الآخر، أن تتحمل. الحب شعور نبيل، لكي يستمر يجب أن يقوى بمهارات عديدة. للأسف اختزلنا الحب في البدايات والشعور بالحماس والشغف وتناسينا الحب الذي يستمر ويقوى وينتقل إلى مرحلة عالية من التقبل والتفاهم. أجمل ما في الكتاب واقعيته، أنك تشعر بارتباط نحو الشخصيات ومشاكلهم كأن تبحث عن حل لمشاكلك أيضا معهم.

يحدد دو بوتون ست مصائب ويوضح كيف تساعدنا الفلسفة فيهم

1 -  الفلسفة تساعدنا فى مواجهة المصاعب عموما.

2 - الفلسفة تساعدنا فى الحماية من انكسارات القلب ( المشاكل العاطفية).

3 -  الفلسفة تساعدنا فى التكيف مع العجز.

 4 -  الفلسفة تساعدنا فى قبول الاحباطات.

5 -  الفلسفة تساعدنا فى التكيف مع الفقر.

6 -  الفلسفة تساعدنا فى البقاء مختلفين متميزين متفردين عن الناس .

          كتاب " عزاءات الفلسفة :  كيف تساعدنا الفلسفة فى الحياة ؟ " للكاتب السويسرى آلان دو بوتون وهو ( رجل اعلام وميديا ) ترجمة للعربية السورى يزن الحاج هو كتاب عميق من حيث الموضوعات التى يطرحها كأى كتاب فى الفلسفة فضلا عن ذلك هو كتاب صعب فى اسلوبة لانه يعتمد طريقة حديثة جدا لعرض الافكار ، وهى الطريقة الرأسية بالتركيز على الاماكن والاحداث والتواريخ والوثائق كالرسائل والصور والرسومات  ، وبالرغم من ذلك فهو كتاب هام فهو يشكل قنطرة عبور أمن بين الفلسفة كتخصص اكاديمى والتنمية البشرية المستحدثة  كعروض علمية  تطبيقة تستهدف السوق والجمهور العام  .

1 - كيف تساعدنا الفلسفة على مواجهة المصاعب ؟ تسمى مشكلات وتسمى مصاعب لصعوبة التعامل معها ومعالجته وتذليلها أو صعوبات وتسمى  معوقات وعوائق حيث توقف الانجاز والحركة وتدعو للعجز وتسمى عقبات تعيق وتمنع الحركة وتسمى محنة و تسمى بلاء وتسمى فتنة وتسمى اختبار وتسمى تجربة وتسمى مأساه الا انها فى الاول والاخر مجرد "تحديات"  ، تنتظر مواجهة و ردة فعل انسانية للتعامل معها .

          هذه التحديات تتسبب لنا فى الالام نفسية كبيرة وتتسبب فى الاحساس بالبؤس والإحباط والشقاء والتعاسة وأخيرا تقودنا إلى الاستسلام لليأس وفقدان الامل ، وتفيدنا الفلسفة هنا بالتحديد بابراز  أن اليأس جريمة لا تغتفر  فاليأس يقود للعجز والاستسلام مما يؤدى لتعقد الامور واستفحالها .        ( اليأس حرام على المسلم ومن علامات الكفر بقدرة الله لقول يعقوب لبنيه  " إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ " يوسف 87 وكذلك قول الله فى سورة الحجر  56: " وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ"  ) 

لماذا هناك مصاعب وتحديات ومشاكل فى العالم ؟



مشكلة الشر فى الفكر الفلسفى والدينى :

             ثمة معضلة او اشكالية فلسفية كبيرة أى قضية تحتاج الى تأمل وتفكير عميقين ، و هى مشكلة وجود الشر فى العالم وما يصاحبه من معاناه وألم لدى الانسان ، وما هى مبررات ذالك الوجود للشر ، وخاصة مع افتراض وجود اله عليم قدير رحيم مختص بالعناية الالهية  .

         هذه المشكلة جوهرية فى موضوع الايمان والالحاد . فمشكلة الشر هى احد اهم اسباب الالحاد على مستوى العالم المعاصر ، من ناحية عدم قبول منطق اجتماع وجود الاله الخير مع وجود الشر فى العالم . وان كانت قديما سببا فى  الايمان من موقع الخائف كنوع من اللجوء النفسى لقوة جبارة تحمينا من شرور هذا العالم  .

        وقبل ان ننتقل للمحاولات الفلسفية لحل مشكلة الشر علينا ان نتعرف على طبيعة الشر ، والشر فى مساران : مسار البيئة والظروف المحيطة بالانسان والتى لا دخل له فيها وهى الكوارث والمخاطر البيئية والطبيعية كالزلازل والبراكين والامراض والاوبئة والمجاعات والجفاف والتصحر وخلافه   ، ومسار سلوكيات وسياسات الانسان نفسه التى تعمق الشر والمعاناه كالحروب والنزاعات وخلافه . وعلى المستوى الفردى كالحقد والكراهية والنفور والغضب والكيد والمكر والتلون والنفاق.

        وتتلخص الحلول الاسلامية الفلسفية لمشكلة الشر فيما يعرف عند "مصطفى محمود"  بكيف نحكم على الشيئ بأنه شر أو خير ، ونحن ليس لدينا الصورة توتاله   ( اللقطة الكلية للعالم  ) فلا نعرف تأثير الشيئ على وجه الدقة هل سيتسبب فى خير ام سيحدث شر ، ويحيلنا لسورة الكهف وكيف كان خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار عين الخير رغم انه فى الصورة الجزئية المحدودة الناقصة للعلم شر  ، وهنا ينفى محمود وجود الشر المطلق فى العالم

       ولذلك تابعه الشعراوى فى هذا ، وقال انه اذا منعك الله شيئ فهذا المنع هو عين العطاء وستكتشف ذلك بعد حين ، واذا كنت فى محنة فتأملها ستجدها منحة ، " وعله خيرا " فاذا غلق الله باب فتح ابواب ، ولكن تتعامى انت عن هذه الابواب لانك تستسلم للحزن الذى يعوق تفكيرك .

       ومن هنا قال ابن سينا بأقلية الشر فى العالم وان ما نراه شرور حتما فى الصورة الكلية للكون هى خير فالخير هو الاكثرية ، فهو كون حكيم  وخير خيرية مطلقة ليس به شرور على الاطلاق  , وان بدا للعيان وللرؤية الجزئية والمحدوة به شرور .

النظرية الثانية هى نظرية الفصل الاول من المسرحية والفصل الاخير :   البشر محاسبون عن كل صغيرة وكبيرة فهناك من يستخدم نظرية الحساب ، وان الحياة الدنيا ما هى الا جزء يسير من الحياة الحقيقية للتعبير عن ان المسرحية مازالت لها فصول ، وهذا يعنى انه اذا انتصر الشر اليوم فسينتصر الخير غدا واخيرا ، ومن يضحك اخيرا يضحك كثيرا ، ولابد من يوم معلوم تترد فيه المظالم اسود على كل ظالم وابيض على كل مظلوم .

 ارادة القوة نيتشه نموذجا:  



       نعود للكتاب الذى بين يدينا والذى يحاول استلهام تجربة الفيلسوف الالمانى نيتشة فيلسوف إرادة القوة فى مواجهة المصاعب والتحديات ، فهو الفيلسوف الذى قال " ما لا يميتنى يجعلنى أكثر قوة " وهو أكثر فيلسوف تحدث عن القوة والصمود فى مواجهة التحديات والصعوبات والالم ، ويعرض دى بوتون لقصة حياة نيتشه وكيف تحول من التأثر باستاذة شوبنهور وبنزعته التشاؤمية السوداوية الى نزوع اخر نحو ارادة القوة .

        ففى بداية الامر كانت النزعة التشاؤمية كما تمثلت عند شبنهور والتى تدعوى لليأس والاستسلام لكن نيتشه أدرك ان للحياة وجهين وعلينا قبولهم معا وعلينا قبول وجود الشر فى العالم كوجه آخر للخير وضرورى له وعسي ان تكرهو شيئا وهو خير لكم وعسي ان تحبوا شيئا وهو شر لكم   ، فلا خير بلا شر ، ولا لذة بلا ألم ، ومن ثم بدأ نيتشه تحريضه على الحياة المنجزة القوية التى تقبل التحديات وتواجها ولا تهرب منها وعدم الخوف من الشر والشجاعة مواحهة الحياة .

         واذا تتبعنا اقوال شبنهور " العبقرية الكئيبة"  : فها هو ينفى مجرد الرغبة ويدعو للزهد  قائلا " انت ترغب ، لو كان هذا بالامكان – ليس ثمة أشد جنونا من هذا " . لكن نيتشة لا يرى فى الحياة الا الرغبة  ،تلك الرغبة التى تقودك للمعاناه من اجل اشباعها ، فاذا لغيت الرغبة لغيت المعاناه فى سبيل تحقيقها . هذه المعاناه وهذه الالام الممتعة اكثر من الرغبة المحققة ذاتها  .  يقول شبنهور  :" نعلم ان الحياة تتكون من المعاناه واننا كلما جهدنا اكثر فى محاولة الاستمتاع بها ستزداد عبوديتنا لها ولذا ينبغى علينا نبذ متع الحياة والركون الى التقشف " ذلك بالتحديد ما رفضة نيتشة فى مقابل الارادة والرغبة فى السعادة وتحقيق الانجاز  وهو ما يعرف بديالتيك نتيشه شوبنهاور  ، فنيتشه يحدثنا عن سوبر مان او الانسان الكامل او  فوق او عبر او ماوراء الانسان ،  وعلى الانسان ان يعيش حياة منجزة ولا يخاف الالم الذى هو جزء من تكوين الحياة ان لم يكن جزء من تكوين اللذة نفسها ، وان كانت السعادة والانجازات تتطلب جهدا ومعاناه والم فعلى الانسان ان يتحمله ، وان يدرك ان ما لا يقتله يجعله اكثر قوة  ، وكأن لسان حال نيتشه يقول المثل الانجليزى " نو بين نو جين "بدون الم لن تحصل سعادة .

     وكانه بذلك نيتشه يبشر باحد قراءات الفيلسوف المعاصر ديلوز لنيتشه عن اخلاق الجهد والمعاناه من اجل تحقيق اللذة والسعادة ، فكتب على الانسان ان يكسب لذته بالشقاء والالم ، السعادة والتعاسة مرتبطين معا بحيث لابد لكل من يرغب بامتلاك اكبر قدر ممكن من احدهما ان يمتلك قدرا مماثلا من الاخرى  وكذلك مصادر مسراتنا العظمى قريبة من مصادر المنا الكبرى .

     ويقول شبنهور " لاؤلئك البشر ممن انا معنى بهم بهذا القدر او ذاك أتمنى المعاناه والاسى وسوء المعاملة والاهانات اتمنى ان لا يبقوا غريبين عن ازدراء الذات العميق وعن عذاب الارتياب بالذات وعن بؤس القهر"حيث يشعر الانسان ان هذا هو وطنه الحقيقى وان نجاحة فى الدنيا هو ما الا فى عدد الشرور والالام الذى استطاع تجنبها ، فالانسان لا يسعى للسعادة بل يسعى للتحرر من الالم ، وعليه ان يعترف باستحالة انجاز اى شيئ وبذلك ينفى الارادة والرغبة يوجه هدفنا لا نحو ما هو بهيج ومستساغ فى الحياة بل نحو تجنب شروره الحياه التى لا تحصى ومن الغباء ان نعتقد اننا نعيش فى عالم عادل ومثالى .



قرآنيات : 

          ولتوضيح الفكرة يقول الله :  وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( البقرة  251) وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌا (الحج 40 ) ، الجيد والسيئ نابعين من جوهر واحد فى حياتنا فهو رب الفلق من شر ما خلق  .

          كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ .  البقرة 216  وعلينا ان نتأمل قول المحارب روميل او ابن خلدون بان حياة الرخاء السهلة اللينة هى سبب انهيار الامم والحضارات .

      يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا النساء  19

         أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ العنكبوت  2

      أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.البقرة  214





[1]   هذا المقال عرض تقديمى لكتاب "عزاءات الفلسفة " ولعرض أى كتاب ثلاث أساليب حسب الهدف من العرض

اولا : هناك العرض التقديمى

       الذى يهدف للترويج والتسويق للكتاب بالقاء الضوء على الطرح والقضية والموضوع العام الذى يطرحة الكتاب والسياق الذى تم فيه خروج الكتاب . وأهمية الموضوع وحيوته وفائدته المحققة ومنافعه للقارئ ، وهنا لن يقدم العرض كل محتويات الكتاب واغكاره بل يقدم مشهيات تشجع على قراءة الكتاب ودليل للاستفادة منه ، وربما نطيل فى العرض التقديمى بالقاء الضوء على جزئية او جزئيتين من الطرح الكلى .

اما العرض الثانى هو العرض التلخيصى التتبعى :

      الذى يعد نقلا مختزلا لكل الافكار التى يطرحها الكتاب فى مساحة وحجم اقل

وثالثا : العرض التقيمى والنقدى :

الذى يقيم الكتاب ويتشابك نقديا مع افكاره ويحاول تقييمه

      وهذه المقالة من العروض التقديمية الترويجية للكتاب حيث تتحدث عن فكرة الكتاب وطرحة الاولى وهو فى حالتنا "هل تساعدنا الفلسفة فى التعامل مع المصائب او المشاكل فى حياتنا ؟ ونختار فصل او نقطة جزئية  للحديث عن سياقها وقد اخترنا كيف تساعدنا الفلسفة فى مواجهة الصعوبات والمحن والتحديات وعرضنا الاطار العام لمشكلة الشر فى الفلسفة والتى ترتبط بالموضوع والتجربة الفلسفية التى عرضها الكتاب تجربة نيتشه فى مقارنة مع تجربة شوبنهاور .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

" تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man and Biosphere

  ·       من الأمتحان والإختبار والتقييم إلى التقويم الذى يشارك فيه الطالب والاستاذ " تقويم مقرر الانسان و المحيط الحيوى "Man a...