الوعـى بالجنـس بين ثقافــتين " قراءة اولية فى عملى بوحديبة وميشيل فوكو (*)
احمد حمدى حسن(**)
هو سؤال مطروح عن مكانة تلك الخبرة الانسانية الخاصة
– خبرة الجنس – فى الوعى الثقافى العام , وبالطبع تختلف اجابة هذا السؤال باختلاف السياق
الثقافى المتعرض له , فياتى كلا من كتاب " الاسلام والجنس" لعبد الوهاب بوحديبة
كاجابة متميزة للسؤال فى سياق الثقافة العربية الاسلامية , و موسوعة ميشيل فوكو"
تاريخ الجنسانية " اجابة اخرى للسؤال فى سياق ثقافة مختلفة جذريا هى الثقافة الغربية
المعاصرة , فكلا الكتابين محاولتان فى صدد الاجابة على هذا السؤال عن مكانة الجنس ؛
بحيث تعبر كل محاولة عن ثقافة مختلفة متمايزة عن الاخرى , فضلا عن انها تنبع منها وتضيف
لها ايضا , فكتاب بوحديبة يحلل الثقافة العربية الاسلامية ليحدد مكانة خبرة الجنس فيها
, بينما ميشيل فوكو فى تاريخ الجنسانية يحلل الثقافة الغربية متسائلا حول تلك المكانة
للخبرة الجنسية فى ثقافته .
والسؤال الذى يطرح نفسه بالضرورة وكسؤال
عرضى عن تلك الدوافع التى تجعل السؤال عن مكانة الجنس فارضا لنفسه بشدة على المفكر
والفيلسوف المعاصر رغم اختلاف الثقافات ( وخصوصا ان توقيت نشر هذه الكتب متقارب جدا
ومعاصر(1) ) . يظل هذا السؤال مطروح , الا اننى اظن ان هذه التحليلات الفلسفية لمكانة
الجنس فى الثقافات المختلفة كانت ردة فعل دفاعية مبكرة ضد ذلك السعار الجنسى العالمى
الذى اصاب العالم فى مرحلة الراسمالية المتأخرة ولست هنا بصدد رصد الظواهر المتعددة
لهذا السعار , الذى يحيط بنا من كل الفضاءات المفتوحة , ولكن يمكن ان نقول ان هذا السعار
اتخذ مظهرين اساسيين سرى كل مظهر منهم بجوار الاخر : حيث الانتشار الواسع للعرى والاثارة
الجنسية فى وسائل الاعلام العالمية , بل واستخدامه فى الترويج للسلع فضلا عن استخدام
وسائل التكنولوجيا المتطورة فيما يعرف بتكوين شبكات دعارة عالمية , كل هذا على اوسع
نطاق , فالجنس اليوم اصبح يحتل مكانة فريدة فى عالم السوق , ويتميز ذلك الجنس المروج
له فى عصر السعار الجنسى بانه خاوى من المعنى تماما لا يحمل فى طياته اى تأسيس ثقافى
متميز , فلم يعد جسد المرأة العارى هو تميمة الحرية كما كان فى عصر التنوير فى الغرب
, ولم يعد حاملا لاى قيمة او معنى يتعدى الاثارة الجنسية الجافة والرتيبة , اما المظهر
الاخر فكان متمثلا فى بعض الثقافات وخصوصا الثقافة الاسلامية المعاصرة فى تلك الحالة
غير السوية من الرعب والفزع و الهلع بين الرجل والمرأة فى اى تعامل بينهما خشية الوقوع
فى الجنس المحرم وكأن العقول والنفوس لا تحمل سوى ذلك الهاجس المرضى بالجنس , وهكذا
سارعت النساء بالدخول تحت عباءات واسدلات وتغطية الجسد بالكامل ,وتعالت الاصوات المنادية
بالفصل التام بين الجنسين , فى مظهر وان كان يتخذ شكل السلب الا انه تعبيرا عن حضور
هذا السعار الجنسى الدائم فى النفس .
و لسوف استشهد بما استشهد به بوحديبة ذاته للتعبير عن ذلك السعار " لنتمعن جيدأ فى كلمات فلاديمير جانكيليفتش , حين يؤكد ان الشهوة الخانقة الساحقة التى ينغمس فيها الغرب , تؤدى الى صعق الانسانية واصابتها بالذهول , مثلها فى ذلك مثل السيارات وايام الاجازة والحانات . ان الاثارة الجنسية ليست سببا او نتيجة لجفاف الحياة , بل هى الجفاف بعينه . وحين ينعدم الفرح والصدق والقناعة العاطفية والتلقائية , يصبح الباب مفتوحا على مصرعية لتصنيع الشهوة الجنسية . ان الجنس والعنف اصبحا ابليس العصر الذى حرم من الحب , ليجد فى الاثارة الجنسية الحالية بعض التعويض للجفاف , غير القابل للعلاج , واى تعويض هذا !" (2) ولا نظن ان فوكو كان له رأى اخر فى الجنس اليوم اذ رأى فى الجنس عموما كعملية حيوية مباشرة جزءا من رتابة العضوية (3) , وانتقل بذلك من الجنس الى الجنسانية , مبشرا بها و التى تعنى تلك التقنيات التى تدار بها الحياة الجنسية بمعناها الواسع والشامل , تلك التقنيات التى تستطيع الذات خلالها التفلت من ضغوط السلطات الخارجية المحددة لسلوكياتها و الانزياح خارج وطأة المعرفة الرتيبة المعلقة فوقها , فميشيل فوكو بذلك ينتقد ذلك الجنس النمطى الذى عملت فيه السلطة الحيوية بواسطة تقنياتها الانضباطية على تنميط الممارسات الجنسيه . بل ويتعدى فوكو هذا لنقد الخطاب الغربى عن الجنس (4) ,ذلك الخطاب الذى ينطلق من فرضية مفادها ان الجنس قمع واسكت خلال القرون الثلاثة الاخيرة ,وانه ان الاوان لتحرير الجنس من هذا القمع , ويضع فوكو هذه الفرضية متسائلا عن ما اكسب الجنس - على العكس من ذلك - خلال الثلاث القرون الماضية تلك الجوهرية باعتباره ركيزة هامة فى الثقافة الغربية , وخصوصا كما بدا فى التحليل النفسى عند فرويد واتباعة او فى تلك المقاربات بين الجنس والحقيقة . قد بد لنا كل من فوكو وبوحديبة قريبين للغاية فى نقد وتبيان ما اصاب الجنس اليوم من جفاف بتعبير بوحديبة ورتابة ونمطية بتعبير فوكو , الا ان كل منهما سلك فى اتجاه معاكس للاخر اذ تساءل بوحديبة عن تلك المكانة المتدنية بل والحقيرة للجنس فى الثقافة الاسلامية المعاصرة , واوضح كيف انها بذلك تشذ وتنحرف عن المكانة الحقيقية للجنس كما بدت فى الاصول الاسلامية وانطوت فى التراث الاسلامى ؛ حيث ارتفعت تلك الاصول بمكانة الجنس الى مستوى القدسى , تساءل فوكو فى نفس الوقت عن تلك الارادة التى جعلت للجنس فى الثقافة الغربية المعاصرة مكانة رفيعة مميزة بدت فى ذلك الخطاب المعرفى الغربى حول الجنس حيث الصقت به الحقيقة و اعتبرته مفسرا لكل شئ , بل وسألته عن ماهيتنا وحقيقتنا كبشر .
ينطلق بوحديبة من صورة مثالية متمثلة فى النص القرانى و السنة اللذان يقدما الجنس باعتباره مهمة مقدسة ترقى لكونها صلاة حقيقية " وترجع قدسية المهمة الجنسية الى نشر الحياة وانماء الوجود , حيث يقوم الانسان بالمشاركة فى تنفيذ ارادة الله , الذى تتجلى عظمته فى اعطاء معنى جديد لوجوده تعالى من خلال الجنس , وذلك بمد كثافة الحياة وبسطها "(5) ولا تقف قدسية الجنس فى الاسلام على غائيته فى الانجاب وازدياد النسل بل يحترم الاسلام المتعة الناتج عن الجنس فيوضح بوحديبة ان الاسلام قد رفض كل اشكال النسك التى تنطوى فى جوهرها على احتقار البدن رفض جذرى فالروحانية الاسلامية تتميز بالنزعة الطبيعية(6) وهذا فى واقع الامر ما يميزها عن الروحانية المسيحية فالاسلام يعترف بالجنس من اجل المتعة فى اطار الاحصان والعفة بحيث يصبح الجنس طلبا للانسجام ورغبة فى تأكيد الذات واثباتها فضلا عن كونه ادماج حقيقى للذات الفردية فى المجتمع عبر اخر " ان الجنس هو حضور لجسدى ولاجساد الاخرين ايضا , لانه فى جوهرة تجاوز للوحدة والعزلة , لذلك فهو ينطوى على الحاجة للاخرين حتى على مستوى الشهوة "(7) فلم يعترف بوحديبة بممارسة جنسية فردية حتى الاستنماء لابد فيه من تخيل الاخر- عند بوحديبة -, كذلك نجد للجنس مهمة تكاملية بين الذكر و الانثى هذه المهمة تحكم الكون كله وهى مهمة لا تؤدى لتميز احدهم على الاخر لان هذه الثنائية بقوة الحب تصبح تنوع فى الوحدة فالحب والشهوة هى الرابطة الاساسية لكل اشكال العلاقات . وهكذا يقدم بوحديبة فى الجزء الاول من كتابه انطولوجيا اسلامية عن الجنس وحسم لجدل القدسى والجنسى , بالاضافة الى انه يوضح بعض الثوابت ويبررها كرفض الاسلام فكرة نجاسة المرأ ة , وكفضل النكاح عن الوطء والزنى فالنكاح وصول لرتبة الاحصان , كما يتحدث عن رابطة الرضاعة , ثم يتحدث عن مكانة المرأة فى الاسلام وكيف ان اشكالية تحديد جنس الانسان شكلت جزء كبيرا من الاهتمام الفقهى و الدينى بهدف حصر علاقات الجنس فى اطر النكاح , ثم يتحدث عن الطهارة وكيف بالغ الفقهاء فيها فى حين ان المقصود منها اعادة الانسان من غربته بعد الفعل الى القدسى واستعادة المصالحة والوئام بينه وبين نفسه , كذلك عنى الفقهاء بقضية الجنس مع الجان و دور الشيطان فى الغواية كما يناقش الكتاب امرا هاما وهو صورة الجنة والنار فى الاسلام وما فيهما من متاع او الم حسى .
وفى الواقع يتميز عمل بوحديبة عن عمل فوكو بهذا الجزء تميزا شديدا من حيث المنهج المتبع , فبوحديبة يتحدث فى الجنس وكيف بدا فى التشريع الاسلامى وليس حول الجنس وكيف بدا فى الخطاب المعرفى , فبوحديبة صنع خطابا للجنس فى الاسلام باعتباره حقيقة ثابته ولم يحلل خطاب من الخارج , بوحديبة وجد مركز ونقطة انطلاق وثبات فى النص الاصولى الاسلامى فى حين غاب اى مركز او نقاط ثبات فى رؤية فوكو , وهذا بطبيعة الحال ينشأ عن كون بوحديبة مفكر مسلم .
يقدم رؤية يهيمن فيها الدين على الجنس ويعرف الجنس من خلال الدين وتسود فى خطاب بوحديبة عن حقيقة الجنس فى الاسلام لهجة تبشيرية تدعو لتغيير ثقافى تجديدى وحقيقى فى مجال النظر للجنس باحترام وقدسية على اعتبار ان حل ازمة الجنس هى حل لازمة الايمان والضمير الدينى , كما نلمح فى ذلك الخطاب الاشارة الى مركزية الجنس فى الكون و اهميته الشديدة فى الوجود الانسانى وان كان ذلك يتم هذه المرة عبر خطاب دينى اصولى تجديدى و احيانا صادم , يتحدث عن الجنس من اجل الانسان وليس الجنس فى ذاته الذى ينتقده فوكو فى الخطاب الغربى عند هؤلاء الذين جعلوا الجنس فى المركز و سألوه عن الماهية الانسانية واكسبوا عليه اضواء من القدسية لا يرى فوكو ان الجنس يستحقها ولكن يرى فوكو انها كانت لعبة سلطوية معرفيه تستهدف التنميط لرغبات الانسان من حيث كونه انسانا للرغبة وكأن المقصود هنا هو اخضاع تام للذات . وهو اتجاه عام نجده لدى ماركيوز فى " ايروس والحضارة " وجيل ديلوز فى " اوديب مضادا " وهذا ينقلنا الى الجزء الاول من موسوعة فوكو تاريخ الجنسانية والمعنون "بارادة المعرفة " حيث ينتقد فوكو الفرضية القمعية للجنس باعتبار الجنس كائن فى رغبة الذات الحرة يواجه قمعا من اعلى اى من السلطة سواء كانت فى شكل عائلة او اى مؤسسة اجتماعية اخرى ,( والتى تقول بانه ابتداء من القرن السابع عشر ومع صعود الراسمالية واجه الجنس قمعا واسكاتا من قبل السلطة الراسمالية التى لا تقبل باى عمل غير جاد يهدر الوقت والطاقة وانه بالتحرر الجنسى وبالحديث عن الجنس دون خوف نتحدى السلطة وننتقل لاستكشاف افاق حريتنا ) , ليثبت فوكو ان الجنس ليس تعبيرا عن رغبه حرة من الذات بل ان السلطة تدخلت ايضا عبر تقنياتها المعرفية لتصوغ هذه الرغبة فى الذات نفسها وتوجهها من الداخل , فالخطاب المعرفى حول الجنس سواء فى الاعتراف او الطب النفسى او فى علم الجنس احتوى تنميط وتنظيم شديد البراعة للممارسة الجنسية , فالجنس كان مجال لممارسات سلطوية غير القمع والاسكات من اعلى , ان ارادة المعرفة تتكلم عن تلك الارادة التى جعلت من اللذة الجنسية معرفة منظمة هامة ومركزية ومجال لممارسة السلطة . ثم ياتى الجزء الثانى من كتاب الاسلام والجنس جزءا سوسيولوجيا تاريخيا يوضح ما انطوت عليه هذه الممارسة من تاريخ فى الحضارة العربية وكيف بهذا التاريخ انحرفت مكانة الجنس عن اصلها فى النص القرانى " تخيم عوامل ثلاثة بظلها الثقيل على المجتمعات محل البحث , يتعذر الفكاك من اسرها وهى : التسرى , والفجوة الاجتماعية بين المدينة والريف , والاساس الاقتصادى لعلاقة القرابة العربية . لقد شكلت هذه العوامل بمجملها الواجهة التاريخية للمجتمعات العربية المسلمة , ناهيك عن اسهامها فى تغير اتجاه الجدل الجنسى الى ما يتفق ومتطلبات الواقع الاجتماعى , مبتعده بذلك عن الرؤية الاسلامية الاولى ."(8) وقد اضاف الى هذه العوامل فى الخاتمة الاحتلال الذى كان له الاثر الاكبر على حرية المرأة فى المجتمع العربى . كما يتضح فى هذا الجزء بشدة ما اشار اليه فوكو كدليل على تنميط الممارسة الجنسية فى الحضارة الغربية بابداعها لعلم شبقى هو علم الجنس فى حين ان الثقافات الاخرى ابدعت فن شبقى للجنس , فنحن من خلال ما كتب بوحديبة عن الجنس والمسلمون نلمح هذا الفن ويتجلى فى كيفية تعامل المسلمون مع الاثارة الجنسية كما يتجلى هذا الفن فى الممارسات الخاصة وبالاخص الحمام العام الذى كان ظاهرة اسلامية فريدة دالة على وجود فن شبقى فى هذه الثقافة اشار اليه فوكو باعتباره ميزة للثقافة التى لا تسعى فيها السلطة لتنميط الممارسة الجنسية . وفى مكان اخر فى تاريخ الجنسانية فى الجزء المعنون باستعمال اللذات يكشف ميشيل فوكو عن الطريقة التى استطاعت بها السلطة / المعرفة تنميط الممارسة الجنسية , وذلك بحفرياته الاركيولوجية فى التراث اليونانى الرومانى حين كان هذا التنميط يمارس ايضا ليس بطريقة السلطة الرعوية المسيحية ولا بطريقة القانون وانما بتلك الطريقة المعرفية التى بها تدخل داخل الذات وتشكل جزءا من نفسها الداخلية توجهها نحو الممارسة حتى فى الرغبة الجنسية وتشكيلها فكان الحديث عن عن الجسد و الحميات و تقنية الخوف ( حيث تلك الخوف القديم من خطورة الافراط الجنسى على الصحة ) ثم الحديث عن الزوجة و الاقتصاديات بتقنية الترسيم السلوكى ( حيث الحديث عن ما تقتضيه الطبيعة من الوفاء لزوجة واحدة ) والحديث عن الغلمان والشبقى عبر تقنية رسم الصورة ( حيث الحديث عن تحديد الجنس والادوار الجنسية ) والحديث عن الحقيقة و الحب الحقيقى عبر تقنية النموذج التزهدى ( حيث الحديث عن علاقة الزهد بالوصول للحكمة والحقيقة ) كان هذا هو البعد الاركيولوجى فى دراسة فوكو و هنا نلمح العديد من الاختلافات مع الثقافة العربية الاسلامية حيث كان البعض ينظر للجنس يزيد من الصحة والحيوية او الحديث عن فضل تعدد الزوجات والتسرى او الصوفية واكتراثها بحب الانثى وفى نفس الوقت نلمح اتفاقات وخصوصا فى تحديد الادوار الجنسية لكن بطبيعة الحال كانت التقنيات المستخدمة فى الثقافة الاسلامية اشد حسما وقربا لكونها تقنيات قانونية وفقهية . كما يظهر بعدا جينالوجيا لدى فوكو فى نفس الوقت عبر تحليل انسان الرغبة عموما والتقنيات التى يمارسها للخروج من نطاق السلطة الفارضة نفسها علية وخصوصا فى الجزء الثالث المعنون ب "الانشغال بالذات" . والغريب فى الامر انه رغم اختلاف السياق الثقافى لكلا من الدراستين الاسلام والجنس او تاريخ الجنسانية الا ان كلاهما يجمعان على السيطرة والهيمنة الذكورية التى سادت فى تاريخ الثقافتين ( وربما حديث بوحديبة على اقتصار دور الانثى فى الامومة و اعتباره ان هذه نتيجة هيمنة ذكورية هو نفس ما يشجع البعض على الحديث عن عدم وجود هيمنة ذكورية فى المجتمع الاسلامى لاحترامه هذا الدور – الامومة – فى الانثى ) , ينحو بوحديبة منحى تفسيرى فى التاريخ فهو يرصد العوامل بينما ينحو فوكو منحى حفرى اركيولوجى اقرب للوصف منه للتفسير ذلك الوصف للداخل او لتلك التحولات الداخلية فى الوعى الذى يبدوا اقرب للفينومينولوجيا منه للوصف الخارجى . الوعى بالجنس وكتابة تاريخ له فى كل ثقافة و الوقوف على مكانته وكيف تتغير فى المجتمع , ميزة للبحث الاجتماعى التاريخى الثقافى لكنه يصب فى النهاية فى بحث ودراسة الوعى الانسانى عبر محتوياته وهى مهمة الفلسفة عامة , لذلك نقول اننا امام كتابين فى الفلسفة تنبها الى مقولة نيتشة " ان كل ما يعطى الوجود معنى كالحب والحقد والحسد لم يكتب تاريخ له بعد " من هنا كان تاريخ الجنسانية كتاب فى التاريخ من حيث كونه تجربة للذات لا من حيث كونه احداث وهو ما يجعل من التاريخ فلسفة اما كتاب بوحديبة فكان تاريخ لتلك الذات العامة المشتركة بين كل ما هو عربى ومسلم بوحديبة كتب تاريخ للمجتمع باعتباره من اشهر علاماء الاجتماع اصحاب النظرة والرؤية الفلسفية العميقة . واذا كان ما يميز الكتابين انهما يتعرضا للوعى بخبرة الجنس و التأسيس الثقافى لها فى ظل عصر يسود فيه الجنس دون وعى على شكل سعار فى كلا الثقافتين , فان كلا المحاولتين بدوا كمحاولة لاعادة الجنس الى الوعى الانسانى مرة اخرى , وتجاهلا فرويد تماما الذى اراد ان يحبس الجنس فى اللاوعى باعتبارات يقول عنها فوكو انها فكتورية ويعتبر المبالغة فى جعل الجنس سرا مخفيا يحمل حقيقتنا امرا كان المراد به تنميط انسان الرغبة واخضاعة وتطبيعة مع المجتمع , وان الاوان لان يصبح الجنس فى الوعى دون اخفاء كما ينادى بوحديبة ودون تمركز كما يشير فوكو .
الهوامش (*) تشكل هذه الدراسة قراءة اولية لكتاب
" الاسلام والجنس " لعالم الاجتماع والمفكر التونسى عبد الوهاب بوحديبة فى
طبعته العربية ترجمة هالة العورى , مكتبة مدبولى , 1986 . فى ضوء كتاب ميشيل فوكو عن
نفس الموضوع والمعنون "تاريخ الجنسانية " فى ترجمتة العربية لجورج ابى صالح
ومراجعة وتقديم مطاع صفدى و الصادرة عن مركز الانماء القومى ضمن الاعمال الكاملة لميشيل
فوكو مشروع مطاع صفدى للينابيع . بيروت 1990 و العمل فى نصه الفرنسى نشر الجزء الاول
منه المعنون بارادة المعرفة 1976 والجزء الثانى " استعمال اللذات " والثالث
" الانشغال بالذات " قبل وفاة ميشيل فوكو مباشرا فى 1984 . (**) باحث فى
الفلسفة – جامعة القاهرة . (1) هذه جملة اعتراضية منى وان كان كتاب الجنس فى الاسلام
بنسخته الفرنسية اسبق زمانيا 1975 وكتاب تاريخ الجنسانية صدر على مرتين الاولى
1976 والثانية 1984 . (2) عبد الوهاب بوحديبة : الاسلام والجنس , ترجمة هالة العورى,
مكتبة مدبولى 1986 .ص 338 . (3) ميشيل فوكو : تاريخ الجنسانية ج1 ترجمة جورج ابى صالح
مشروع الينابيع لمطاع صفدى بيروت 1990 ,ص 8 . وقد صدر الجزء الاول من كتاب فوكو تاريخ
الجنسانية او تاريخ النشاط الجنسى عام1976 بعنوان ارادة المعرفة وتناول فيه فوكو بالتحليل
هذه الارادة التى جعلت من الجنس والنشاط الجنسى مركزا للثقافة الغربية حيث اصدرت خطاب
معرفى عن الجنس يضع الجنس فى مكان السر الكبير الذى يمكن ان نساله عن ماهيتنا الانسانية
ومن خلاله يتم تفسير كل شئ وتحدث فى هذا الجزء عن نقده للفرضية القمعية للجنس وتبرير
وجودها فى الثقافة الغربية المعاصرة , و فى الجزء الثانى المعنون باستعمال اللذات غاص
فوكو اركيولوجيا فى الوسائل التى تم بها تنميط الممارسة الجنسية فى الحضارة اليونانية
الرومانية عبر تقنيات كرسم الصورة والترسيم السلوكى و النمط التزهدى و التخويف وفى
الجزء الثالث المعنون بالاهتمام بالذات ناقش فوكو تلك التقنيات المبدعة التى قامت بها
الذات لتحارب التنميط الذى فعلته السلطة بها . (4) عبر اركوجيته التى تناولت الجنس
فى العالم اليونانى والعالم المسيحى والعصر الكلاسيكى (5) عبد الوهاب بوحديبة : الاسلام
والجنس , ص 39 (6) المرجع السابق ص 39 (7) عبد الوهاب بوحديبة : الاسلام والجنس , ص
35 (8) المرجع السابق ,ص 160
.jpg)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق